منذُ زواجها وعبءُ الأسرةِ واقعٌ على كتفها وحدها، لم تعرف طعماً للراحة، تحملت سحر مسؤوليات أسرتها، في ظلِّ غيابٍ تام لدور زوجها، الذي انتهك حقوقها كزوجة، بعدما تقاعس عن توفير أبسط متطلبات العيش الكريم، وعاشت حياة بدائية بسيطة وقاسية، تديرُ فيها شؤونَ الأطفال والمنزل وتتحمَّل معهم العنف والفقر والإهانة، بينما زوجها يكتفي بالمطالبة والشكوى. تقول سحر عن سنوات حياتها الأولى مع زوجها: “أنا تزوجت وعمري٢٠ سنة وأهلي من النوع اللي بده يستر ويزوج، ومن البداية حياتي كانت مبنية على الكذب لا الشقة تبعته ولا العفش تبعه ولا عنده شغل ولما حكيت لأهلي صاروا يحكولي اصبري واتحملي”.
وتضيف: “اضطرينا نطلع نتأجر أسوء بيت عشان معناش ندفع، وصرت أجمع عفش إشي من صاحبتي إشي من أختي، تعذبت معاه واضطريت أشتغل بالبيوت عشان أوفر المصروف وهو قاعد بعملش اشي لما أحكيله اشتغل يضربني، وما كان عندي غاز كنت أطبخ ع النار وفش غسالة أغسل على ايدي، يعني الحياة اللي عاشوها الناس في الحرب هادي أنا عايشاها من زمان مش اشي جديد عليا”.
تجاعيدُ يديها، التي توحي بأنها سيدة مسنَّة رغم أنها لا تزال في الثلاثينيات من عمرها، تشهدُ على سنواتٍ من التعبِ والمعاناةِ في حياةٍ بدائية لا تُطاق. وبعد اندلاع العدوان الأخير على قطاع غزة، وتفاقمِ شحِّ الموارد نتيجةَ الحصار الاقتصادي الذي فرضه الاحتلال، ازدادت معاناة سحر مع زوجها، الذي أصبحَ أكثر عنفًا وتقصيرًا. تقول في هذا: “هلقيت لما اجت الحرب نزحوا أهلي عندي وانصدموا من العيشة اللي أنا عايشاها، وصار جوزي يعمل مشاكل لعند ما أهلي سحبوا حالهم وطلعوا، وأجبرني أروح عندهم كل يوم أجيبله أكل وشرب وأصلاً فش أكل كان بالسوق وهو قاعد بس ياكل ويشرب ويدخن صرت أطلع الصبح وأرجع آخر النهار ألاقيه ببيع بأغراض الدار ألاقي أواعيا على البسطات ما ساب اشي بالدار على حاله”.
طمعاً في المال منحَ زوجُها لنفسه حريةَ الاستيلاءِ على أغراضها الشخصية والمنزلية، في انتهاك واضحٍ وصريحٍ لخصوصيتها، وعندما عبّرت عن رفضها، قوبلت بعنف شديد وصل إلى حد محاولة القتل، ما أجبرها على الهرب مع أبنائها، خوفاً على حياتها. تحكي سحر: “وزاد سوء لما صار يبيع بنتفة الأكل اللي عنا عشان يشتري دخان ويسيبنا جوعانين عاد أنا هان فقدت أعصابي صرت أقله حرام عليك يا زلمة، طب فيا خبط وضرب صاروا ولادي يصوتوا وبدهم يفزعوا اجا مسك السكينة وبده يقتلني فسحبت حالي بسرعة وطلعت من عنده”.
وتضيف: “وبالفترة هادي لا سأل علينا ولا قال وين انتوا صرت أطلب بأواعينا ما يرضى حاولت أبعتله ناس يحكوا معاه على الفاضي والأولاد صاروا يشتغلوا يجمعوا كرتون وبلاستيك عشان نمشي حالنا”.
وتكمل: “وفجأة بدون مقدمات لقيناه متجوز أنا انصدمت كيف قدر يتجوز ومين رضيت فيه، صار بعدها يطالب بده ولاده عشان يجيبهم خدامين، لما عرفت هيك إنه متجوز صرت أحاول أجري عشان أقدر آخد المساعدات الغذائية لولادي بس محدش برضى لأنه نظام المؤسسات الإغاثية إنه لازم رب الأسرة هو اللي يستلم وأبوهم هو اللي بستفيد من الكابونات، وإذا الأم مطلقة لازم يكون معها ورقة تثبت عشان تقدر تاخد وأنا مش مطلقة”.
صُدمت سحر بواقعٍ جديدٍ لم يكن بالحسبان، إذ قوبلت جميع طلباتها بالرفض، واضطر أبنائها للعمل في ظروف لا تناسب طفولتهم وتنتهك كرامتهم، وبعدما علمت بزواج زوجها عليها، اضطرت إلى السعي وراء لقمة عيش أبنائها، رغم التحديات الكثيرة التي واجهتها.
تحكي سحر “أنا بديش الطلاق لأنه ضياع لولادي وحياخدهم على طبق من ذهب فأضلني هيك معلقة لا ياخد ولادي ولا حتى أرجع أعيش معاه لأنه ما كان لا زوج ولا أب كان بس عايش بالدنيا ياكل ويشرب وينام يعني أنا هلقيت في وضعين أحلاهما مر”.
وتكمل: “وإذا بدي أضل عند أهلي، أمي بتقاتل فيا وأخوي بقاتل على ولادي واحنا مش مجبورين نربيهم، وإذا بدي أطلع ولا أنزل وين راحت وهي ما معها زوج ومن هالكلام إذا بدي أزبط حالي أحط كحلة مثلاً ممنوع قال كيف تعملي هيك وزوجك مش عندك كأنه الست بس عايشة للزوج، يعني أنا حرام أتطلع على المراية ألاقي حالي حلوة؟”
تعيشُ سحر مكبلةً بقيود العائلة وتقاليدِ المجتمع الذي يربط قيمة المرأة بوجودِ الرجل، حتى أصبح كل ما تطمح له هو الحصول على حياةً كريمة تصون كرامتها.
تقول سحر: “أنا مش قادرة أستقل ومش قادرة أسيب أولادي، هدول مش نفر هدول خمسة، أنا كل متاع الدنيا طلع من نفسي لا بدي أكل ولا شرب ولا لبس بدي ولادي يعيشوا عيشة منيحة بضحي بنفسي ولا بضحي فيهم”.