“أنا تزوجت من ابن عمتي وعمري ١٨ سنة وقعدت معاه ٤ سنوات وجبت ابني يزن ولما ولدته طلع عنده تأخر في النمو بسبب مشاكل وراثية عشان احنا زواج أقارب وبعدها قرروا كبار العيلة إنه لازم ننفصل واحنا كنا رافضين بس زادت المشاكل وأجبرونا على قرار الانفصال”.
وتكمل: “وخلص تطلقنا بس كان ابني عندي وكنت أهتم فيه وأرعاه بزيادة عشان بده رعاية خاصة، وبعد فترة صارت الظروف سيئة وأعطيت الولد لأبوه”.
على أعتابِ العشرين من عمرها، وبين فرحةِ الأمومة الأولى وصدمةِ المرض الوراثي لطفلها الصغير، انكسرت أحلام أمينة سريعًا، حيث كان قرارُ زواجها عائليًا، وطلاقها أيضًا كان قرارًا عائليًا لم تختر أيًا منهما.
وما إن حاولت أن تبني حياةً جديدةً وتزوجت مرة أخرى حتى اكتشفت أنًّ طريقَها محفوفٌ بالخذلان مرةً أخرى.
تحكي أمينة عن هذه التجربة الصعبة قائلةً: “بعدها تجوزت وطلع للأسف جوزي سيء اكتشفته بعد الزواج دايماً بغلط وبكفر وعلى أقلها اشي بضربني ولما أحكي لأهلي يحكولي مع الوقت بتغير وبتحسن وهيك من أول حياتي مشاكل”.
وتكمل: “دايماً أهلي يحكولي أعطيه فرص وأنا كنت أمشيلهم، وسافر قبل الحرب بسنة ونص على أساس بده يشتغل وعلاقتي فيه خفت كتير وفي الحرب صار بينا خلافات ضيعت اللي فوقي واللي تحتي وبعت كل اشي عشان أعطيه”.
ومع تكرار الأذى وفقدان الأمان والاستقرار إثر العدوان على قطاع غزة، لم تتوقف معاناة أمينة عند هذا الحد، بل تجاوزت ذلك إلى حياةٍ يومية مثقلة بالعنف الأسري والإهمال من الزوج والأهل على حد سواء، خاصةً حينما عاد زوجها من السفر وقررت إعطائه فرصةً أخيرة، لكنَّه زادَ من سوء معاملته لها. تقول أمينة: “وزادت المشاكل كتير وأنا خلص حكيت لأبويا أنا طاقتي صفر وما بدي اياه تحملت أذاه كتير، وأنا كنت عند أهلي وكنا ننزح من منطقة للتانية قعدنا في مدارس في مستشفيات ونزحنا على الجنوب وابني طول هالوقت مع أهله وكل واحد بمكان ما قدرت أشوفه كان بعيد عني طول الحرب”.
وتكمل: “بعد ٥ شهور من الحرب جوزي رجع على غزة واجا بده ياخدني بس أبويا ما رضي يعطيني إله، وبعدها خلص صرت مش قادرة أقعد بدون ابني طلبت إني أشوفه، أبويا ما رضيش ويومها ضربني ضربة في حياتي ما بنساها، وأنا قلت ضرب بضرب وعنف، برجع لجوزي بعطيه فرصة أخيرة”.
وتضيف بحسرة كمن فقد آخرَ حبالَ آماله: “بس على الفاضي رجع يضربني ويقسى عليا وضليتني صابرة وصار نزوح كمان مرة وزاد الأذى والضرب أكثر، كان يعنفني جنسياً ونفسياً وجسدياً غير إنو ما كان يعمل اشي أحكيله روح عبي مية جيب حطب ما يرضاش وأروح أنا أولع حطب وأوقف قدام النار”.
نزوحٌ متكرر، وعنفٌ زوجي متواصل، وقسوةٌ أبوية غير مبررة، ثم حرمانٌ من الأمومة، أربعةُ أوجاعٍ اجتمعت على قلبِ أمينة مرةً واحدة، وقد كان أصعبها حرمانها من طفلها الصغير، الذي قضت أشهر العدوان الطوال لم ترَ وجهه البريء، وحين قررت أن تذهب لرؤيته خلسةً كانت الفاجعة التي قسمت ظهرها. تحكي أمينة:
“كنت أحكيله بدي أشوف ابني وهو مش راضي أترجاه على الفاضي، وبدون ما يعرف نسقت مع أهل ابني إني أروح أشوفه وطلعت، ويومها فجأة صارت مجزرة تحرير الأسرى الإسرائيليين في مخيم النصيرات وابني كان موجود في هادي المنطقة وأنا مش عارفة”.
وتكمل: “واحنا ماشيين صار الطخ والقصف فجأة وضله أكثر من ساعتين بس هديت الأوضاع ما عرفت أروح عنده بعد بساعة اجاني اتصال من أهله إنه ابني يزن استشهد”.
وتضيف والدموع على وجنتيها: “طلعت أجري على المستشفى ولما شفته صار معايا انهيار عصبي، كان متغير كتير طولان وكبران، صرت أقلهم محدش ياخد ابني من حضني صارلي طول الحرب مش شايفاه، صرت أهون على حالي احكي ابني ارتاح من الظروف اللي هوا فيها من الأدوية اللي كان ياخدها ومن ناحية إنه بعيد عني، ارتاح والله”.
وكأنها تُساق من محنةٍ إلى أخرى، ومن وجعٍ إلى أشد، فبعدَ استشهاد طفلها الصغير، اعتقدت أمينة أن زوجها سيغير من معاملته لها، لكنه سرعان ما عاد لممارسة العنف، مما أجبرها على مغادرة البيت. واليوم، تعيش أمينة في كنف عائلتها لكنها لا تجد فيهم السند الكامل، بينما يصر زوجها على ابتزازها ماليًا مقابل طلب الطلاق.
تقول أمينة: “جوزي بعد ما استشهد ابني تغيرت معاملته معايا حس بالذنب لما شافني هيك، وفش أسبوع إلا رجع ضربني تاني ما راعى شعوري وأنا هان خلص انهارت أعصابي قمت لبست وأخذت هويتي ومحفظتي وطلعت من عنده ما أخذت أي اشي تاني”. وتكمل: “يعني في هالحرب مش بكفي الضيق مش بكفي الخنقة مش بكفي الظلم وفوق كل هذا أنضرب وأنهان، أنا حالياً عند أهلي الي سنة تقريباً وجوزي تجوز ومش راضي يطلق بده ندفعله مصاري وهيني بروح على المؤسسات الحقوقية عل وعسى يزبط موضوع طلاقي وبعدها أشوف حياتي”.
إنَّ غياب الحماية القانونية والدعم الاجتماعي نتيجة العدوان على قطاع غزة، ترك النساء عرضةً للانتهاكات المستمرة، إذ باتت أمينة اليوم تعيش بين إجراءات قانونية معقدة، وأمل ضعيف في بداية جديدة، علَّها تستعيدُ بها كرامتها.