يوليو 23, 2025
أمٌ مكلومة وأطفالٌ جوعى
أمٌ مكلومة وأطفالٌ جوعى

داخل خيمة مهترئة في أحد مراكز الإيواء في مدينة غزة تعيش أسيل وطفليها الصغار تحت وطأة القهر والحرمان يكسرها دموع صغارها وأنين بطونهم الجوعى وهي التي تحاول بشق الأنفس أن توفر لهم الفتات وإن قاست الأمرين.

لم تجف دموعها عن وجنتيها وهي تروي لنا الحكاية وقد تُركت لوحدها لا زوجٌ يسألُ عن حالها ولا أخ يرأف بها.

تقول أسيل: ” جوزي ولا سأل عليا ولا أعطاني مصروف ولا حاجة ولحتى الآن وكنت أيام لما كان الخبز مقطوع بنتي تقلي يما بدي آكل وأنا كنت حامل والله اللقمة ما ألاقيها ” وتكمل: ” ست جنبنا تعطيني رغيف خبز لبنتي تعطيني خبيزة كنت أروح على البيارات وأنا حامل ألقط الخبيزة عشان نقدر ناكل مكانش معي حق كيلو الطحين وبنتي لما تطلب مني الشيكل ما بلاقي أعطيها حتى المساعدات فش كل ما بروح بحكولي جوزك أخدها واخوتي عاطلين أخويا الكبير كان هان والله ما كان يتعرف عليا باشي وكنت حامل ويحرمني الأكل أنا لما تجوزت قلت يمكن ربنا يريحني من اللي أنا فيه بس تعبت بزيادة “

تصمت أسيل برهة لتبكي ثم تكمل ” والله أنا تعبت تعبت بتلاقيني قاعدة فجأة بصرخ ” عانت أسيل في سنوات زواجها وهي الزوجة الثانية من العنف المستمر والضرب المبرح الذي أودى بها للهرب من منزل زوجها قبل الحرب بيومين خائفةً على حملها الذي لم يتجاوز أشهره الأولى وقد تعرضت سابقا للإجهاض ثلاث مرات إثر الضرب المبرح، تقول في هذا: “صارت مشكلة مع مرته الأولى وكلمني صار يكفر ويغلط عليا ويحكيلي هيني جاي أخلص عليكي إنت طالق ولا بداري ولا حد حيرجعك على ذمتي وسيبي الدار هيني جاي أحرقلك اياها وأنا أسمع هالكلام ألبس عبايتي وأشرد عند أهلي خفت على اللي ببطني هادا قبل الحرب بيومين” وتضيف: ” أخفيت الحمل عن جوزي عشان خايفة يضربني وشردت عند أهلي شردت لأنه أنا عارفاه لما بضرب برحمش بخليني قتيلة وما بسيبني إلا لما الدم يسيل وكل ما كان يعرف إني حامل يضربني ضرب موت و 3 مرات أنزل ويموت اللي في بطني وقامت الحرب وصار اللي صار كنت أرن عليه بس أحكيله يا رياض يطفي الجوال بوجهي ويعملي حظر”

طوال أيام الحرب تحملت أسيل لوحدها مسؤولية رعاية طفلتها الصغيرة وطفلها الذي ولد مبكراً في الشهر الثامن نتيجة التعب والنزوح المستمر وعدم تلقي أسيل للرعاية الصحية الكافية والطعام المناسب ” لما نزحنا من الشجاعية وقعت واحنا بنجري ورجلي كلها كانت مجروحة وولدت ابني في الشهر الثامن من كتر التعب والجوع وأيام النزوح وقعت على بطني أكتر من 10 مرات عشان هيك ولدت بدري وكان ابني وزنه 2 كيلو إلا” وتكمل: “جوزي عرف إني ولدت وبقول للناس بديش اياه ولا بدي بنتي ولحتى الآن ما شاف ابنه ولا بعرف شكله”

تمسح أسيل دمعتها وتواصل حديثها لكنها في كل مرة تنظر إلى أطفالها من حولها يرأف قلبها عليهم وتتمنى لو كان بمقدورها أن تبسط لهم يديها بكل ما يشتهون ” أنا نفسي أتريح ألاقي أكل لولادي وألاقي مكان آمن أنا قاعدة بخيمة أنا لما بسمع إنه في حليب باخد ابني وبجري في هالشمس بطلع وبمشي”.

“والله أنا لو صحلي أرجع وعلى كرامتي قابلة عشان ولادي بتحمل عشان ولادي بديش أخسرهم اجوا بعد معاناة بس أخذ داري وجوز ابنه فيها”

كان حبها لهم يتجاوز الجوع والتعب ويقبل التضحية أيضاً في كل مرة ترجح كفة الأولاد وتختار أن تعود لزوجها وتتحمل ما ستواجهه من معاناة مقابل البقاء مع أطفالها وتوفير ملاذاً آمنا لهم مكررة في كل مرة “ولادي هدول… ولادي”.

Other Topics