نوفمبر 29, 2025
أن تُعيلي أُسرتين وتتشبّثي بالحياة: رشا بين غُربة الزوج وغُربة النزوح
أن تُعيلي أُسرتين وتتشبّثي بالحياة: رشا بين غُربة الزوج وغُربة النزوح

منذُ سنوات، تنهضُ رشا كلَّ صباح لتقومَ بمهمّات أسرتها لوحدها؛ فقد هاجرَ زوجها إلى خارجِ البلاد ساعيًا وراءَ لقمة العيش وفرصة عملٍ تكفل لعائلته الاستقرار. ترعى رشا أبناءها وكذلك أبناء زوجها الذين تركتهم والدتهم صغارًا فأصبحوا جزءًا من مسؤوليتها وسط صعوبات الحياة اليومية، والتي زادت مع اندلاع عدوان السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة. تقول رشا: “أنا معيلة لأسرتين، أولادي وأولاد جوزي، لأنه جوزي مهاجر من ست سنوات وكنت عايشة في بيت بالإيجار ولما إجت الحرب صار في المنطقة قصف واضطريت أنزح وآخذ الأولاد لمكان أكثر أمان، وإجيت على المدرسة وعشت في خيمة.”

بعدما نزحت رشا من بيتها ولجأت إلى خيمةٍ في أحد مراكز الايواء في مدينة غزة، حفرت الصخر ليحصل أطفالها على ما يسدّ جوع بطونهم، في ظلّ عدم توفر مصدر للدخل، ونقصان المواد الغذائية نتيجة إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر التجارية. تشرح رشا: “ما كنت أقدر أوفر لأولادي احتياجاتهم واضطريت أفتح بسطة لأنه زوجي ما كان يبعتلي إشي، و(أنا) ما بشتغل وهو برا، وعليّا فلوس للناس مش قادرة أسدّها وخايفة. يعني أنا المعيلة الوحيدة للأولاد، كنت أشتغل وأبيع بس المواد غليت عليّا وفش رأس مال يعني لما تشوفي ابنك بعيّط بده شيكل وما معك تعطيه بتضلّها غصّة بقلبك”. وتكمل: “أبسط حق من حقوق أولادي أنا مش قادرة أجيبه. يعني لما ابني يضل يزن على أخويا وقتها بيعطف عليه وبيعطيه، وابني اضطر يشتغل عند زلمة عشان يعطيه 5 شيكل. يعني أنا نفسي أطعمي أولادي، نفسي آكل لحمة، أجيب خضار بنشوفها مع الناس بس بنقدرش نجيبها”.

لم يكن غياب زوجها وصعوبة حالتهم المعيشية في أحد مراكز الإيواء هما أرقها الوحيد فحسب، فبعد نزوحها من منزلها الذي تسكنه بالإيجار نتيجة القصف المستمر، طردها صاحب المنزل، وطالبها بأخذ جميع ممتلكاتها. تتحدث رشا عن معاناتها معهم: “في فترة ما أنا نزحت كلمني صاحب داري اللي بالإيجار وحكالي بده يقعد فيها وبعد بفترة رجعت على البيت بدي أجيب ملابس للأولاد، لقيت باب الدار مقفل بالجنزير وأبوه ما رضي يدخلني، واتهمني إني ما بدفع إيجار”.

وتضيف: “وصار يستولي على الدار شوية شوية أروح ألاقي عفشي كله بغرفة وجزء منه مسروق ومفتشين في أغراضي وتعدّوا على خزانتي الخاصة ودوّروا على الأوراق اللي بتثبت إني دفعت الإيجار ومش ضايل عليا شيكل وصاروا يحكوا للناس خليها تيجي تاخذ عفشها. بس إحنا هان عايشين ست عائلات في نفس الصف في المدرسة، أكتر من 30 نفر وين بدي أحط العفش وأنا بدي أرجع للدار”.

وبفعل الحال الخانق والازدحام وانتهاك الخصوصية في مركز الإيواء، تفاقمت الخلافات بين رشا وعائلتها، حتى باتت تتعرض للعنف الجسدي واللفظي هي وأبناؤها. تروي رشا: “إلا ما تصير مشاكل مع أهلي وأخوتي، بضربوا أولادي وبضربوا ابن زوجي، وبصير ابني يدعي على حاله يموت. ومش بس هيك ممكن أنا وأخوتي توصل نضرب بعض عشان مشاكل الأولاد وعشان الأكل همّ اللي بيشتروه فأولادي بيرضوش ياكلوا كتير لأنه إحنا عايشين على التكيّات، لكن أولادي كتير بياخدوا على خاطرهم”.

وسط كُلّ هذا تتمنى رشا أن تجد الأمان بالتئام شمل عائلتها واجتماعها مع زوجها عند عودته فيتمكّنان من تأمين مسكن معًا، ليعيش أبناؤهما حياةً كريمةً تليق بهم، فحالهم قد تحوَّل إلى رحلة يومية من المعاناة في ظلّ فقدان أبسط مقوّمات الحياة؛ من مأكلٍ ومشرب ومسكن وأمان. تقول رشا: “أنا بس نِفسي، نِفسي نعيش بأمان واستقرار أنا والأولاد، يعني هلقيت لا إلنا بيت ولا إلنا مأوى ومشتتين، أبوهم ببلد وإحنا ببلد وما في مصدر دخل. والله أنا معانية كتير وبدعي الله يجمعني أنا وأولادي مع زوجي”.

تتوق رشا لحلم إعادة الإعمار ولعودة القطاع لحياةٍ تسود فيها الكرامة وتحكمها قوانين تحمي حقوقها في المسكن وغيره. بقيت تكرّر أمنيتها: “نفسي بس يكون لي دار وأجتمع مع زوجي ونعيش عيشة منيحة.”

توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.

“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”

Other Topics