أغسطس 11, 2025
اتصالٌ مَقطوع وسطَ غيابٍ للعدالة
اتصالٌ مَقطوع وسطَ غيابٍ للعدالة

حين غابت شمسُ العدالة، وتوارى القانونُ قسرًا عن أعينِ الناس، عاشت النساء المطلقات في دوامةِ البحثِ عن ملجأٍ منصف وقاضٍ عادل، في ظلِّ عدوانٍ أردى معاييرَ الإنصاف فضاعت فيه حقوقُ النفقة، وغُيِّبَ الأطفالُ عن حضانة أمهاتهم.

انفصلت سناء عن زوجها قبل اندلاع العدوان، وكانت حينها حاملاً بطفلها الصغير، سناء هي أم لثلاثةِ أطفال لم تنل حقَّ الحضانة سوى لابنها الصغير، الذي يعيش معها منذ ولادته، في حين حُرمت من حضانة طفليها الأكبر سناً، أحدهما في السابعة من عمره والآخر في الرابعة.

عانت سناء أثناء العدوان من حرمانها من النفقة المستحقة لطفلها الصغير، ذاك الذي لم يلتفت إليه أبوه منذ ولادته.

تسرد لنا سناء ما عاشته فتقول: “أنا اتطلقت من قبل الحرب ب سنة كانت الحياة معاه لا تطاق دايماً ضرب وبهدلة وكفر، وبعدها أخد ولادي كنت أشوفهم يومين بالأسبوع بس، وكنت حامل بابني الصغير اللي ولدته قبل الحرب ب ٤ أشهر وفي الحرب كانت مسؤوليته فوق راسي بدي أهمل هم النزوح ولا هم الأواعي ولا البامبرز ولا الحليب، كنت أجيب من هان وأدبر من هان وأبوه ما كان يتطلع بوجهه ولا يسأل عنه”.

وتضيف: “كنت قبل الحرب بيومين رافعة ورقة بقضية نفقة للولد وبعدها انقلبت الدنيا وما أخدت أي نفقات ولا حتى حقوقي في كمبيالات الذهب اللي كنت رافعاهم وهلقيت فش محاكم وحيحكولي بشتغلش ومعهوش يدفع وفش حبس ولا اشي لو ما دفع”.

وكأيِّ أمٍ تُحركها مشاعرُ الأمومة، وتتوقُ إلى لمسةٍ حانيةٍ من طفليها، وإلى سماع صوتيهما البريئين، حاولت سناء رؤية طفليها، فتمكنت بعد عناءٍ طويل من لقائهما لساعات معدودة، ومنذ ذلك الحين لم تراهما مرةً أخرى، ثم أجرت بعدها معهما مكالمةً واحدة، ثم قُطع الاتصال معهما عنوةً من قبل والدهم، ولم يصلها عنهما أيُّ خبرٍ منذُ عام ويزيد.

تقول سناء: “واحنا في الجنوب سعيت إني اشوف ولادي ف مرة جابهم عندي في الشهر الثاني للحرب ومن وقتها ما شفتهم، وطلب إنه يشوف ابنه الصغير ف حكتله جيب لابنك أواعي جيب بامبرز وحليب بخليك تشوفه مهو ما كان يسأل عنه بالمرة، صار يهدد ويحكيلي والله لأعمل والله لأسوي، وابني الصغير أصلاً بعرفش إخواته ولا كان واعي عليهم لما اجوا كان ٦ أشهر ما بتذكرهم، وبعرفش أبوه فبحكي لأبويا بابا”.

وتضيف: “كنت كل ما بدي أكلم أتطمن على ولادي يحكولي طالعين نايمين، كانوا مانعين إني أكلمهم وفي مرة لما كلمتهم صاروا أهلهم يغلطوا عليا ومنعوهم يحكوا معايا وهادا كان آخر اتصال بيني وبين ولادي من سنة، ومن سنة ونص ما شفتهم”.

يأكلها القلق عليهما، وعلى عمريهما الذي يزيد بعيداً عن عينيها، خاصةً أنهما يعانيان من مشاكل في النظر وفي النمو ولن يجدا من يهتم بهما ويحسن رعايتهما كقلب أمهما. تقول سناء بحسرة: “ولادي أصلاً عندهم مشاكل صحية من وهما صغار ودايماً خايفة عليهم وما بعرف كيف صحتهم ومين بهتم فيهم وإذا أصلاً رجعوا على غزة ولا ضلوا بالجنوب، ما بعرف أخبارهم بالمرة ولا في تواصل، كنت قبل ما أنفصل أنا ألف فيهم عالدكاترة لأنو عندهم مشاكل في النظر وما بشوفوا منيح وكان عندهم مشاكل في النمو هلقيت مين بده يعمللهم كل هاد؟”.

حاولت سناء أن تمسكَ بطرفِ خيطٍ يوصلُها إلى أبنائها؛ فتوجهت إلى إحدى محاميات مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة؛ للوصول إلى طليقها ورؤية طفليها، لكنه حاول الالتفاف عليها ومساومتها على طفليها بأخذ طفلها الصغير مدة أسبوع. حاول طليقها ليَّ ذراعها بالطفل الوحيد الموجود معها مستغلاً حالة الغياب القانوني.

تقول سناء: “لمّا حاولت أوصل عن طريق المحامية عشان ولادي، صار يحكي للمحامية منيح إني لحتى الآن ما خطفت الولد – للي هو ابنه الصغير اللي معايا-  وصار يساومني إذا بدي أولادي لازم أعطيه ابني الصغير أسبوع وبعدها باخد ولادي وهاد الإشي مرفوض لأنو حياخده ومش حيرجعه وفش محاكم أقدر أحاسبه عشان هيك بتمادى”.

وتضيف: “لما بشتاق لولادي بداري عن أهلي عشان ما يزعلوا لأنه أمي وأبويا كبار بالعمر بخاف عليهم من الزعل وبخاف أعمل اشي ويصير مشاكل فبتحمل عشان إخوتي ما يروحوا لطليقي ويعمللهم اشي وأنحرم من أولادي طول العمر”.

تُجبَرُ سناء على الصمت، وتختارُ أن تعيشَ لوحدِها معركةً قاسيةً على أن تخسرَ آخرَ أبنائها، أو أن تفقد حضانتهم إلى الأبد، فتنتظرُ بفارغ الصبر، أن تنتهيَ فوضى الظلم، ويعودَ القانون؛ ليقيمَ ميزان العدل، ويستردَ حقوقَ الأمهات.

Other Topics