أغسطس 11, 2025
استشهد زوجها.. فطردوها وأطفالها من بيتها: أحلام محاصرة بين قسوة الحرب وظلم ذوي القربى
استشهد زوجها.. فطردوها وأطفالها من بيتها: أحلام محاصرة بين قسوة الحرب وظلم ذوي القربى

تسلّل الظُلمُ إلى حياة أحلام منذ كانت طفلةً بريئة لم ترَ من الحياة سوى كتبها الدراسية ودميتها ذات الشعر الطويل. فقد أُجبرت على الزواج وهي قاصر في الرابعة عشرة من العمر، في انتهاكٍ واضحٍ لقانون منع زواج القاصرات، ثمّ أنجبت طفلها الأول، لتُحرم بعدها من حقّ حضانته رغم نعومة أظافره حيث لم يستمر زواجها سوى فترة قصيرة انتهت بطلاقها.

تزوّجت أحلام للمرّة الثانية في سن التاسعة عشرة. وبالرغم من أنّ زوجها كان يكبُرها بخمسة عشر عامًا، ولديه زوجة وأبناء؛ إلا أنها كانت سعيدة معه، وأنجبت منه ثلاثة أطفال.

لكن للأسف، لم يتسنّ لفصول سعادتها أن تستمر، حيث استشهد زوجها خلال عدوان السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة، واضطرّت بعدها لمجابهة الحياة ومحاولة التأقلم مع ظروفٍ تفوق طاقة احتمالها.

تقول أحلام: “يا الله قديش كنت أحب زوجي، بموت عليه بمعنى الكلمة، لعند ما استشهد فقعدت مع ضرتي وأولادها أول أسبوع والتاني وكُنّا ما أحلانا، لحد ما دخل بينا سلفي وأهل زوجي، صاروا يعملولي كُل يوم مشاكل، ويجيبوا الأكل ويسكروا عليه. في يوم كانوا ولادي بدهم ياكلوا ومش ملاقية إشي، اضطريت أجيب الشاكوش وأكسر القفل، أجا سلفي صار يزعق ويغلط وجاب المختار وقرايبي باعتبار أنا الغلطانة، وقبل ما نحكي أي إشي إلا سلفي بيقول عني بكلّم شباب. الرجال دقّوا في بعض، وأنا طلعت من الدار أولها كسر للشر”.

ومن المُحزن أن تُوضع أحلام في موضع شك كونها أرملة ووحيدة، وقد يكون البيت الذي يؤويها هي وأطفالها مَطمعًا للعائلة، أو حتى راتب زوجها الشهيد، أو ما قد يحصل عليه أطفالها من كفالات أو مساعدات؛ تعينها وتعينهم على الحياة. تتابع أحلام سرد تفاصيل قصتها: “قعدت أسبوعين عند أهلي في المدرسة اللي نزحوا فيها، وبعدها لبست وأخدت أولادي ورجعت على داري، سِلفي ما عجبوا، بعتلي سِلفتي وكنّتها، مسكوني وسحبوني برّا”. ثم امتلأت عيناها بدموع القهر وأضافت: “قلت لهم خافوا على حالكم إلكم ولايا.”

بعدما كانت تعيش في بيتها ومَأمنها، اضطرّت أحلام للانتقال إلى مركز إيواءٍ يضجّ بالنازحين، وبالكاد حصلت على مساحة صغيرة جدًا في فصلٍ يجمع خمس عائلات، وفي بيئةٍ اجتماعية غير صحيّة ولا تصلح لتربية ثلاثة أطفالٍ أكبرهم في التاسعة من العمر وأصغرهم لم تتجاوز العامين، الأمر الذي جعلها تحاول العودة مرةً أخرى لمنزلها.

تقول أحلام: “الحياة بالمدرسة ما بتنطاق، لما بدّك تروحي على الحمّام بدّك تستني دور، كُل إشي إلنا بمرمطة وعذاب فرجعت بعد شهر على داري وحكيت خلص اللي بدّه يصير يصير، إلا بجيّة سِلفي، نزلتلي مرته وكنّته صاروا يزعقوا ويغلطوا علي، وبعتولي ضرّتي صارت تضربني، وتشدّني تطلعني برّا، قلت لهم: إيش بدكم مني؟ أنا بس بدي أعيش في داري وأربّي أولادي”.

وهُنا لم تتمالك أحلام نفسها؛ فانهارت باكية وهي تقول: “ما رضيوا يخلّوني في داري، يا ريتهم قتلوني ولا طلعت، أنا تعبانة بدّي أرجع على داري أستقر أنا وولادي”. وبالرغم من هذا الكمّ من الإذلال، إلا أنّ أحلام أُجبرت على محاولة أخرى أخيرة للعودة لنفس المنزل.

وقد بدا لأحلام مؤقتًا أنّها قد نجحت في العودة إلى بيتها، حتى جاء يوم استشهاد شقيقها حين استغلت عائلة زوجها خروجها من المنزل وتوديعه للاستيلاء على منزلها وطردها منه وأولادها بلا رجعة. تروي أحلام: “في يوم كنت قاعدة بداري وبحضّر لأولادي ياكلوا، رن عليّ أخويا وهو بأنفاسه الأخيرة، طلعت أجري وسبت داري وغرفتي مفتوحة، استغلوا الموقف ودخلوا غرفتي، أخذوا كُل أغراض زوجي، قلت مش مشكلة راح الغالي بدّيش إشي إلا إني أضل في داري وأربّي ولادي. يا ريت وقفوا عند هيك، رجعت لقيتهم راميين ولادي وأغراضي بالشارع، يعني هيك تطريدة من داري غصبًا عنّي مش بكيفي، جوزي راح وكمان هم أجوا علي”.

تُركت أحلام وحيدةً تواجه مصيرًا مجهولاً، فلم تجد من يقف معها أو ينصفها، كُلّ من هم حولها يأمرونها بالصبر، اعتقادًا بأنّه أسهل الحلول على أرض الواقع بينما هو أثقل الحلول على قلبها. تقول أحلام: “أبويا بعد استشهاد أخويا انكسر ضهره وصار بيقولي اصبري يابا وتحملي بلاش إخوتك اللي ضايلين يروحوا يعملوا مشاكل وأخسر كمان واحد منهم، والله ما بتحمل يابا. وكل ما بكلم مختار عائلتنا بيحكيلي اصبري. صارلي 8 شهور نازحة بالمدرسة والله قرفت حالي وتعبت من هالعيشة، بقول لهم يا بترجعوني على داري يا بتشوفوا لي حل تاني”.

إنّ الواقع الذي أفرزه عدوان السابع من أكتوبر2023 على قطاع غزة ترك الكثيرات كأحلام، بلا مُعيل ولا سند ولا مأوى، فبتن وحيداتٍ يواجهن ظلم الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك ظُلم المجتمع وذوي القربى. 

قصة أحلام ليست مأساة فردية، بل شهادة على أن عنف الحرب يمتد ليصبح عنفاً مجتمعياً يستهدف النساء. إن إعادة إعمار غزة تتجاوز بناء الحجر؛ فهي فرصة لبناء مجتمع أكثر عدلاً يضع حماية النساء، مثل أحلام، واحتياجاتهن في صميمه. لا يمكن تحقيق تعافٍ حقيقي ومستدام دون ضمان حق المرأة في المأوى والأمان، وتمكينها لتكون شريكة أساسية في صنع قرارات المستقبل.

توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.

“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”

Other Topics