بعد سنينٍ عاشتها ريهام تحت ظل العنف والإذلال، قررت أن تضع حداً لكل هذا وتمضي نحو حياة تستحقها، فتحررت من قيد زوجها بالطلاق وأخذت من طلاقها هذا نقطةَ انطلاقٍ لحياةٍ جديدة؛ فاستقلت بنفسها، وأكملت دراستها، وافتتحت مشروعها الخاص، قبل أن يأتي العدوان الغاشم على قطاع غزة ويلتهم كل ما صنعته ريهام بتعب سنيّها حبةً حبة. تقول ريهام: “أنا انفصلت عن زوجي قبل ١٧ سنة وتعرضت لضغوطات في هديك الفترة كانوا أهلي بدهمش البنات، أبويا معارض وأبوهم رماهم ومن يومها ما تعرف عليهم، وأنا قررت أخدهم عندي يعني بتعرفي بناتي ثلاثة صبايا وهما كانوا مضغوطين جداً ف أخدتهم وقررت يكون الطلاق بداية حياة جديدة كملت دراسة التوجيهي والجامعة وفتحت مشروع بعمل فيه أكلات وحلويات لأنه أنا عندي موهبة الطبخ وقلت عشان أقدر أصرف على بناتي ومصاريف البيت”.
وتكمل حديثها بحسرة وألم: “طورت المشروع كتير وصار معروف عندي زباين وناس تشتري وبعمل أكلات جديدة ومميزة وكان طموحي أفتح مطعم أو كافيه صغير على قدي ألبي فيه الطلبات السريعة لكن الحمد لله رب العالمين إجت الحرب وغطت كل المخططات والطموحات اللي كنت بطمحلها ودمرت كل اشي، راح بيتي بعد ما بنيته فوق أهلي وراح مشروعي في لحظة وغمضة عين والحمد لله ما ضل اشي”.
بدأت ريهام تروي لنا أهوال ما عاشته وأهلها خلال العدوان بدءًا من عناء نزوحهم ثم حصارهم أثناء اجتياح الاحتلال لمستشفى الشفاء وكيف اعتدى عليهم جنود الاحتلال صغاراً وكباراً وأجبروهم تحت تهديد السلاح على الخروج من المنطقة حفاة بلا أي مقتنيات أو حتى غطاء للرأس.
تقول في هذا: “من أول ما إجى العدوان نزحنا كتير، ضلينا ننزح ونرجع على البيت، بتعرفي القصف ما وقفش والفسفور رموه علينا ويعني فش مكان آمن، وفي فترة من فترات وجودنا في البيت عشنا أيام صعبة كان وقتها الاجتياح الثالث لمستشفى الشفا حاصروا المنطقة فجأة والقصف والطخ من حوالينا في كل مكان، فما قدرنا نطلع من البيت وفاتوا علينا اليهود الساعة ٢ بالليل وحاصرونا ٤ أيام وأعدموا أبويا والشباب اللي بالعمارة واحنا قعدونا بمكان مسكر، غير كل أساليب الخوف والرعب والعذاب، الميا ما كانوا يشربونا اياها رغم إنه كان شهر رمضان والولاد الصغار كانوا يعيطوا من الخوف والجوع، فيحكيلنا الجندي سكتيه وإلا بطخك إنت وإياه، وتصاوبوا عنا أطفال ضلهم طول الليل ينزفوا واحنا محاصرين مش عارفين ايش بدنا نعمللهم وهما يتفرجوا عليهم وإحنا للآن بنعرفش عن مصيرهم حاجة”.
وتضيف: “بعدها فجروا الطوابق اللي فوق واحنا قاعدين تحت وطلعونا غصباً عنا حافيين وبشعرنا وما خلونا ناخد ولا اشي لا أوراق ثبوتية ولا أي أغراض وسرقوا منا الفلوس والدهب وطلعنا بأعجوبة نجري بالشارع، ولما انسحبوا رجعنا لقينا الدار راحت كلها الحمد لله”.
وتكمل: “هلقيت ما في مكان يؤوينا قاعدين في المدرسة وإنت عارفة الوضع الاقتصادي ما في مقدرة إني أتأجر على الرغم إنه القعدة في المدرسة مخاطرة، وأنا قاعدة على عنيا بس فش بكل غزة مكان آمن إني أقعد فيه وأحافظ على اللي ضايلين من عيلتي”.
إضافةً لانعدام المسكن والأمان كان توفير الطعام والمستلزمات الصحية هو الهم الأكبر الذي يثقل كاهل ريهام خاصةً وهي تعاني من أمراض صحية نتيجة التلوث في المياه والطعام ولديها ابنة تعاني من إعاقة بصرية زادت معاناتها خلال العدوان. تقول ريهام: “ما كان حد يتعرف علينا كل العبء عليا وعندي بنت عندها إعاقة بصرية ومركبة عين اصطناعية ومحتاجة لعلاجات وأدوية دائمة، توقفت عن العلاج فترة الحرب وعينها بتنزف دم لإنو لازم تحط قطرات ومرطبات”
وتضيف: “مش لاقية أوفرلها علاجها وإذا ما كانت مركبة العين الاصطناعية بصير عندها اكتئاب، وما بدها تشوف الناس والمفروض إنها تتغير لأنها بتجرح بالعين ف وجودها هلقيت خطر على عينها وقاعدة بجري عشان ألاقي علاجها وأنا أصلاً تعبانة صار عندي حصاوي في الكلى من الميا المش نظيفة وفش أغذية صحية ف بتعب كتير وكنت في خطر ممكن يوصل لفشل كلوي ف اضطريت أتداين عشان أجيب العلاجات”.
ينهكها التفكير في حال بناتها وفي الحال المعيشي الصعب الذي وصلت إليه وهي التي لم تهدأ وهي تحاول أن تطرق كافة الأبواب فتنجح مرة وتعود خالية الوفاض مراتٍ ومرات، تقول: “بشهر ٦ أبوهم للبنات استشهد وصاروا هلقيت فعلاً لا أخ ولا أب ولا بيت ولا أي مصدر حياة وما في كفالات لأنهم بلغوا السن القانوني وكان المفروض نطلع ورقة حصر إرث عشان حق البنات بس فش مؤسسات فاتحة ولما أستلم كابونة بطلعلي لحالي بناتي مهمشين ما إلهم وأنا مشروعي واقف فش في إمكانيات حاولت كتير أشتغل بس فش حطب فش مقومات هان بالمدرسة وغلاء الأسعار نكبة يعني ايش بده يطلعلي”.
وتكمل: “يعني الواحد صار داخل بحالة يأس كيف بدنا نرجع نعوض تعب السنين اللي راح، صبرت واشتغلت وتداينت هادا كله مين بده يعوضه يعني تعرضنا لمواقف زي ما بيقولوا أبكت قلوبنا دم”.
تتمنى ريهام لو أنها تستطيع أن تضع بناتها تحت جناحيها فلا يصبهن أذى، تتمنى لو أنها كانت في بيتها لتعود لعملها ومصدر رزقها ودفئها، تتمنى أن تعود لتنسج الحياة من قلب النار، نار الفرن لا نار الحرب.
تقول: “يعني وين ما تروحي إحنا محرومين مش قادرين نتعايش والاشي مش ع قدي أنا، هاد حال كل الناس أنا بتمنى شوية ألقط أنفاسي اللي هي أنفاسنا الأخيرة يعني أنا بدي أطلع من المدرسة لأنه بناتي خايفة عليهم أنا بكافح بالحياة من شانهم يعني أعمدة الأسرة انعدمت ما ضل الهم إلا أنا والحمد لله رب العالمين مجبورين نتحمل حتى الوجع مجبروين عليه لأنه فش بدائل”.
وتختم حديثها بنبرة يغلبها القهر وبصوت يشبه وجع آلاف النساء: “على الأقل نعيش عيشة كريمة ما ننذل لحدا”.