أغسطس 30, 2025
جسدها مُنهك وكرامتها مُستباحة
جسدها مُنهك وكرامتها مُستباحة

تزوجت وداد وهي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، في سنٍ لم تكن تدرك فيه تبعات هذا القرار، ولا تعي لما ينتظرها من مسؤوليات وحياة جديدة. فمنذ الشهر الأول لزواجها، واجهت وداد معاملة قاسية وعنف جسدي ولفظي، حتى تحولت سنواتها اليافعة إلى سلسلة من الألم والمعاناة. تقول وداد: “أنا أمية أهلي طلعوني من المدرسة من صف ثالث لأنو أبويا كان مشلول وبشتغلش وما بقدروا على مصاريف الدراسة فقعدت أخدم أبويا لعند ما أهلي جوزوني وأنا ١٦ سنة” وتضيف: “من أول شهر زواج جوزي كان يضربني على أشياء مش مستاهلة، وعشت حياتي على هيك كنت أحرد عند أهلي ويحكولي اصبري ويرجعوني وأرجع على عيشة كلها فقر وضرب”.

وبعد اندلاعِ العدوان على قطاع غزة واجهت وداد ظروفاً معيشيةً أكثر سوءًا، إذ تركها زوجها تنزح إلى جنوب القطاع لوحدها مع أطفالها، بعد إجبار الاحتلال لسكان شمال قطاع غزة للنزوح جنوباً، فوجدت نفسها مضطرةً لتحمل مسؤولية أبنائها والعمل في ظروف صعبة لتوفير لقمة عيشهم وسط غلاء المعيشة وغياب أي مصدر للدخل.

تحكي وداد: “في الحرب جوزي صار أسوء، ولما أجبرونا اليهود ننزح على الجنوب كذب عليا حكالي اطلعي وأنا بدي ألحقك وقعدنا طول فترة الحرب لحالنا سنة ونص لا يبعتلنا مصروف ولا قدرنا نمشي أمورنا، كنت مضطرة أدبر أموري وأروح أتداين وأشتري كعك وأبيع والربح بشتري فيه أكلنا طول النهار”.

وحين دخلت الهدنة المؤقتة حيزَ التنفيذ، قطعت وداد مع أطفالها مسافة طويلة في طريق عودتهم إلى شمال القطاع، حيث تعيش مع زوجها وأطفالها في خيمة بعدما فقدت منزلها، وهنا بدأ فصلٌ جديد من معاناتها مع زوجها الذي سلط عليها وعلى أطفالها جميعَ أشكال العنف اللفظي والجسدي والاقتصادي، حتى تحولت الخيمة إلى ساحة خوف دائم. تقول وداد في هذا: “ولما صارت الهدنة ورجعنا على الشمال خلانا نروح مشي من النابلسي في جنوب غزة لجباليا في شمال القطاع والولاد وقعوا بنص الطريق من التعب، أقله بس ركبنا سيارة يحكيلي معيش، وبعدها دبرنا خيمة وقعدنا ومن وقتها عينك ما تشوف إلا النور صار يهددني بالقتل وبالطلاق، بضرب بناته بالعصي والسيخ الحديد بظهرهم، وبعمل مشاكل بتصير كل الخيم تلتم علينا عشان بضربني وبحكيلي والله ليكون قتلك على ايدي”.

وتكمل: “بصحى من الصبح بشرب قهوة وبدوش يوفر لأولاده لقمة ياكلوها، بياكل هوا واحنا آخر همه وهلقيت بجبر البنات يلموا حطب عشان ياخده يبيعه بناتي عمرهم ١٢ و١٣ سنة بجبرهم يروحوا معاه يلموا حطب واذا حكوا لا بنضربوا وبضلهم من أول النهار لآخره وهما بشتغلوا وإذا طلبوا من أبوهم شربة ميا بس بحكيلهم فش إن شاء الله سم، اشتغلن”.

وتضيف: “بناتي بمشوا على الأرض حافيين فش اشي يلبسوه بإجريهم وبخجلوا من حالهم إنهم هيك وأبوهم بغلط عليهم وبهينهم قدام الكل وما بناديهم إلا بكلام سيء، يعني بنتي الكبيرة عمرها ١٥ سنة تقدمولها ناس وصارت بدها تخطب عشان تتخلص من عنف أبوها وترتاح، وأنا خايفة على بنتي أبوها يرضى يزوجها بأي اشي”.

ومع انقطاعِ المساعدات الغذائية نتيجةَ إغلاقِ المعابر، من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، ورفض زوجها تدبيرِ أمورهم المعيشية، وجدت وداد نفسها مجبرةً على مغادرة البيت، فتسلك طرقًا خطرة لجلبِ ما يسدُّ رمقَ أسرتها، وسطَ ليلٍ حالك تتعالى فيه أنفاسُ القلق ووقعُ الرصاصِ الغادر. تقول وداد: “ولادي بشموا ريحة الأكل بالخيم اللي جمبنا وبصيروا يحكولي يما جوعانين، بصير ألهي فيهم عشان يسكتوا ويناموا عبال ما أطلع وأدبر أكل، وبضطر أروح على المساعدات عشان أجيب وبضلني في الشارع لنص الليل وولادي سايباهم في الخيمة والدنيا ليل وخطر”.

وتضيف: “والله لما أطلع بالليل بخاف كتير بس بحط خوفي على جنب عشان أدبر لقمة لولادي ومرتين الخيمة تعرضت للسرقة وأنا أصلاً ما عنديش اشي يتاكل ولا عندي اشي ينسرق والله بس بدعي للولاد الله يصبرهم الله ينزل على قلوبهم الصبر ويقويهم على هالعيشة بضل أذكرهم دائماً إنه الرزقة من رب العالمين وربما ما بنسى حد”.

وداد واحدةٌ من آلافِ الحكايات التي تكتبها نساءُ غزة بالدمع والصبر، فتجسدُ كلماتها أن الحياةَ بالنسبةِ إليها لم تعد سوى معركةً يوميةً بين الخوف، والجوع، والبحث عن النجاة، من أجلها ومن أجل أطفالها الصغار.

Other Topics