بعد الطلاق، لم يكن ينتظر نجوى حياة مزهرة، عادت إلى بيت والدين أنهكهما المرض، توفيت الأم لترث عنها خدمة الأب. رجل تجاوز التسعين من عمره، امتهن على مدار أعوام استغلال نجوى ومخصصاتها دون أن تستطيع الحصول على فلسٍ منها. ورغم ذلك لم تسلم من القيل والقال “الناس بيسمعوني حكي إني بخدمه عشان آخد اللي وراه. واحد فوق التسعين شو بدو يطلع من وراه؟”
ومع اندلاع العدوان الإسرائيلي، توقف صرف المخصصات مع عدم وجود مصدر دخل آخر لها أو لوالدها. وتبعًا لذلك، بدأت معاناة جديدة، خصوصًا مع اضطرارهم للنزوح. تقول نجوى “الناس كلها نزحت وأبويا مرضيش، لحد ما قصفوا الشارع. وزلمة أعطاني اللي أنا لابساه وهما بيطلعونا من البيت”، وتكمل بمرارة “حاليًا عايشين بالشارع، مرت أخويا مرضيتش تعطينا فرشة فاضطرينا نشحت من الناس، وقسمت لنا زاوية صغيرة من الخيمة بننزوي فيها بالليل أنا وأبويا وعلى الفجر بنكون بالشارع”. تُحمّل نجوى المسؤولية لأخيها الذي يتركهم بالعراء، كما تقول “أخويا لو إنه بيحس وفي بوجهه دم كان ما بيخلينا ننام بالشارع، ولا كان سابنا نشحت فرشة من الناس”.
“صح أنا مطلقة ووضعي صعب بس مكنتش هيك، على الأقل كنت ألبس وأتحمم بس بعد ما طلعنا من بيتنا فش أواعي وكل 200 سنة لما بتحمم”، بهذا الوصف عبرت نجوى عن وضعها المعيشي الذي تفاقم سوءًا إلى أدنى المستويات نتيجة حرمانها من المأوى.
ورغم وجود إخوة لها، إلا أن واحدًا منهم لا يرأف لحالها، ويتركون مسؤولية الأب عليها، وكذلك والدها الذي يترك حمل توفير الطعام عليها وهي لا حول لها ولا قوة، حتى اضطرت للتسول. “أبويا بيقلي تشاطري، شو أتشاطر أكتر من هيك. أضل أمد ايدي للناس؟ أتعرض للخطر؟ شو أعمل! الله مش جابرني”، وتضيف “إذا شحتنا بناكل، ما شحتنا بناكلش. بروح بدموع عينيا، ايش بتسوى بحقي لما أشوف ست لابسة منيح وبتشتري أكل وأنا الناس تحن عليا وتعطيني، بحس سكينة بقلبي”.
ولا يكفي كل ما تعانيه، بل يزيد عليها والدها في تعنيفها “بيضل يقاتلني ويضربني ويغلط، ايده متعودة على الضرب”. وتضيف نجوى على قولها “لما أقله جعت وبدي أكل بيضربني وبيقلي من وين أجيبلك تاكلي”. لكن حتى عند توفر القليل من الطعام، يحرمها إياه كما تقول “كنت بدي أقسم من الرغيف لقمة صار يقلي هدول إلي، شلت الخبزة من تمي ورميتها!”
لا تطالب نجوى بأكثر من حياة بسيطة، تجد فيها خيمة تأويها، وثوب نظيف، ورغيف خبز، وصابونة! وكلما اقترح عليها الناس الزواج كحل للخلاص، رفض والدها وواجهها باكيًا “الناس بيحكولي سيبيه وتزوجي، على الأقل بتلاقيلك لقمة. بيصير أبويا يعيط ويحكيلي بدك تروحي تخدمي الغرباء وتسيبيني”، وتضيف نجوى وقد اكتسى وجهها بملامح الضياع والألم “أبويا مكنش يرضى يجوزني عشان أضل أخدمه وياخد اللي بيطلعلي. لو أمي عايشة كان زمان جوزتني”.
لا يوفر والد نجوى لها أي من مقومات الحياة الكريمة، ورغم ذلك يحرمها حتى من حقها في الزواج وتكوين أسرة، وبذلك تحول الحق إلى حلم بعيد المنال “أنا حابة أعيش زي البني آدمين. بقول لو تجوزت، على الأقل باكل، بشرب، بلبس، بنام، بتحمم، بلاقي مكان يآويني!”
تتمنى نجوى لو كان بإمكانها الهروب من واقعها فلا ترى أمامها سوى التفريط بحياتها، حيث تراودها أفكار انتحارية “بدي أشتري سم بشيكل وأموت حالي”، كانت هذه الجملة هي آخر ما قالته نجوى ثم ودعتني بآمال وأحلام معلقة، تأمل أن تتحول يومًا إلى حقيقة.