“ليس لدينا أي معلومات عن هذا الاسم”، هذه هي الإجابة التي تحصلُ عليها روند كلما طرقت باباً للسؤال عن زوجها، الذي فُقدَت آثاره أثناء العدوان الأخير على قطاع غزة. ومنذ لحظةِ فقدانه، بدأت تتنَّقل بين المراكزِ، والمستشفياتِ، والمؤسساتِ الحقوقية، علَّها تصلُ إلى طرفِ خيطٍ يخبرها عن مصيره الذي باتَ مجهولاً.
لكن لم تكن هذه مأساتها الأولى، إذ سبقَ أن عاشت فصولاً من المعاناة. تقول روند: “اجت الحرب على غفلة وعشنا أيام الله اللي بعلم فيها والصدمة الأولى كانت استشهاد ابني، استشهد من أول الحرب، كنا طالعين برا البيت وهو ضل عند سته ومن أول ليلة نزلوا الدار عليهم استشهد ب ٢/١١/٢٠٢٣ ولحتى الآن جثمانه تحت الأنقاض هو و٢٠ نفر من العيلة وطبعاً صدمة الحمد لله لحتى الآن مش قادرين نتخطى، وكنا بدنا نسكن بيت جديد وراح بس بنقول الحمد لله”.
كانت الحياةُ تختبرُ صبرها مرةً بعد أخرى؛ فبعد أن فقدت روند بيتها وابنها البكر في بداية العدوان، عاشت نزوحًا قسريًا، كحالِ مئاتِ الآلافِ من العائلات التي فَقدت حقها في الأمان، ووجدت نفسها في أماكن مكتظة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة. تحكي روند: “بعد استشهاد ابني قعدت شهرين عند أهلي في الشجاعية وعندي بنتين صغار توأم لما بدأت الحرب كان عمرهم شهرين وهدول لحالهم معاناة من توفير الحليب والبامبرز وكان في اجتياح ما كان الواحد يقدر يطلع ويجيب”.
وتضيف: “بعدها اشتدت الأزمة في الشجاعية فاضطريت أروح عند زوجي وكان وقتها مجاعة فكان يضطر يروح عند الشاحنات عشان يجيبلهم أكل وقعدنا في مدرسة رغم إنه المدارس خطر وكنا نحاول ندبر أمورنا من هان لهان”.
لطالما وجدت روند في زوجها سندًا ومتكأً لا يميل؛ فقد كان حاضرًا في أدقِ تفاصيلِ حياتهم الأسرية؛ يشدُّ من أزرهم، ويهونُ عليهم صعوبةَ الأيام، حتى باتَ وقعُ غيابه المفاجئ ثقيلًا عليهم. تقول روند عن زوجها: “يعني طلعنا من الحرب ولا اشي بس الحمد لله زوجي كان بساعدني وبساندني بالحياة، مش محسسني بأي اشي يوم استشهاد ابني وفقدان بيتي كان ماشي معي في كل اشي مخفف عني، لعند ما اجا اليوم اللي حكولي خبر فقدانه كان أصعب يوم في حياتي”.
تكملُ والدموع على وجنتيها: “يوم 7/9/2024 طلع مشوار وما رجع، تواصلنا معه ما برد، قعدنا أيام نستناه يرجع على الفاضي، ورحنا ندور عليه في المنطقة اللي انفقد فيها ما لقينا أثر، والله ما خلينا حد إلا وسألناه، قلنا يمكن ماخدينه اليهود أسير فتواصلت مع الصليب الأحمر ومع جمعية حقوق الإنسان حكولي اسمه ما إله عندهم أي معلومات وبعد صفقة التبادل جربت أسأل الأسرى المحررين برضو ما نفع ما حد عرفه لأنه أصلا وضع الأسرى صعب وسيء في السجون ومعزولين ما بعرفوا بعض”.
رغم الجهد الذي تبذله بعض المؤسسات الحقوقية، إلا أنها لم ترتقِ إلى حجم المأساة في ملف المفقودين، فالقانون الدولي الإنساني ينص على حق العائلات في معرفة مصير ذويهم، لكن الواقع يقول إن هذا الحق يُنتهك يوميًا، في ظلِّ غيابِ المحاسبة والرقابة.
أما أهالي المفقودين، فيُتركونَ لمواجهة مصيرٍ مجهول، وهذا ما عاشته روند إلى جانب المسؤوليات الثقيلة التي وقعت على عاتقها، ولم تسلم خلالها من نظراتِ المجتمع، ولا من الشكوك التي لاحقتها. تحكي روند: “في فترة بعد ما انفقد اضطريت أرجع عند أهلي وصرت أسعى بدي أطلع لبناتي أي مساعدات فأروح مشي آخدهم في الشتا في الهوا في الشوب، وأجري على الحليب وزبدة الفستق للبنتين الصغار”.
وتكمل: “ولما صرت أصف دور على المساعدات صرت أسمع كلام من الناس زي ايش الله جابرك تقفي ليش جاية وين جوزك طب أنا بدي أقعد أبرر إنه زوجي مفقود وأنا مضطرة أروح وأسعى، وابني صغير ايش بدي أعمل، غير إنه كانت معاناة مع المؤسسات إنهم مش مصدقين إنه زوجي مفقود بحكولي هاتي إثبات طب كيف بدي أثبت؟”.
لم يقتصر أثرُ غيابِ الزوج على حياة روند وحدها، بل انعكسَ على أطفالها، حيث خلَّف فراغًا كبيرًا في حياتهم لا يستطيعُ أحدٌ سدَّ مكانه. تقول روند في هذا: “ولادي كتير كتير تغيرت نفسيتهم مع غياب أبوهم، تغيرت للعنف للانكسار صاروا حاسيين بالفراغ وبدهم يثبتوا نفسهم عشان ما حد يستضعفهم، أحيانا بقعدوا بالزاوية وبعيطوا وأنا بقعد معهم بصبرهم وبلاعبهم عشان تتغير نفسيتهم مع إنه نفسيتي مش أحسن منهم”.
تحاولُ روند التماسك من أجلِ أطفالها، وتأمين مستلزمات حياتهم اليومية، خاصةً مع وجودِ طفلتين توأم تحتاجان إلى رعاية مستمرة، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة نتيجة العدوان المستمر على القطاع، تحكي روند: “هلقيت صار في تفكير وهموم تانية مع قلة الأكل كيف بدي أطعميهم وأشربهم والبنتين التوأم اللي عندي مش قادرة أدبرلهم الحليب والحفاضات، لو أبوهم موجود كان وفرلهم كل اشي، يعني في عز الأزمة كان قد ما يقدر يجيب، والله والله فش بعد الزوج يعني وقت استشهاد ابني كنت حاساها مصيبة بس لما انفقد زوجي أكتر اشي كسر ظهري كان كتير كتير كويس معايا لما يكون كويس كتير وفجأة يروح هادي هي الكسرة”.
وتضيف: “لسا في عندي أمل ما فقدته لسا متأملة إنه يكون عايش ويرجع لأولاده بخير وسلامة”.
تقفُ روند يومياً حائرةً بين آلافِ التساؤلاتِ التي تدورُ في رأسها حول مصير زوجها، فتتمسكُ بالأمل، وتفتشُ عنه في وجوهِ العابرين، في مشهدٍ يُشبه حالَ كثيرٍ من العائلات الفلسطينية التي تنتظر خبراً عن مفقوديها، فقد شغلَ ملفُ المفقودين الشارعَ الفلسطيني، حيث بلغَ عددهم حسبَ إحصائيات منظمة الأمم المتحدة، أكثرَ من ١١ ألف مفقود، ما بينَ شهداء ما زالوا تحت الأنقاض، ومفقودين لم يُعرف مصيرهم حتى اللحظة.