“وبهدول الخمس سنين كنت حاسة بالعوض من الله عن سنين حياتي كلها” خمس سنوات فقط؛ هذا ما جنته هناء من سعادة طيلة حياتها؛ بعدما عاشت طفولة لا تشبه طفولة أقرانها.
كبرت هناء قبل أوانها حين اضطرت لترك مقاعد الدراسة؛ لتقوم برعاية أخيها ثم أمها، ومضت سنوات طفولتها وشبابها بين الألم والمسؤولية، حتى جاء العوض كما قالت حين تزوجت من رجل يحبها، وأسست عائلة سعيدة، لكن سرعان ما تبددت سعادة عائلتها بارتقاء زوجها وابنها شهيدين خلال العدوان على قطاع غزة.
تقول هناء “أنا قصتي بدت ومن وأنا طفلة طلعت من المدرسة من ثالث ابتدائي عشان أرعى أخويا المريض بالشلل لسنين وتوفى وبعدها أمي تعبت وعانيت كتير من مستشفى لمستشفى وما كنت مقررة الزواج عشان أضل أخدم أمي ولما توفت أمي تدمرت نفسيتي ع الآخر وبعدها تقدملي زوجي فتزوجت وعشت حياة زوجية سعيدة جداً جداً والله أعطاني ولد وبنت، كنت حامل بالبنت وضايل لولادتي شهر لحين ما اجت الحرب”.
عاشت هناء الفترة الأولى من العدوان، وما تخللها من نزوح، بصعوبة بالغة؛ كونها كانت حاملاً في شهرها الأخير، وفقدت حقها في الرعاية الصحية اللازمة لها ولجنينها؛ مما اضطرها للولادة في ظروف قاهرة، تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية. تحكي لنا هناء: “نزحنا وأنا كنت تعبانة على وجه ولادة ولأنه فش مستشفيات ولدوني قيصري وعلى كشافات الجوالات والبنج ما كان كافي وحسيت بالعملية كلها وروحت على البيت مباشرة ما كان في راحة، لأنه قصفوا المستشفى وأنا بولد. وبعدها اشتدت الحرب كتير واليهود صاروا حوالينا وبرموا قنابل غاز وفجأة قصفوا الطوابق اللي فوق من الدار واحنا نزلنا تحت بغرفة واحدة وصرنا نتشاهد ما تخيلت نطلع عايشين ولما وقف القصف طلعنا نجري وأنا عاملة عملية قيصرية ومش قادرة”.
نجت هناء وعائلتها من الموت هذه المرة، وبعد محطات مريرة من النزوح؛ اضطروا للعودة إلى المنزل وسط صعوباتٍ جمة وخطرٍ مُحدق؛ إذ لا خيارات متاحة أمامهم. لكنها لم تتخيل أنها ستكون المرة الأخيرة التي ستعود فيها لمنزلها. تقول هناء: “بعد ما طلعنا كلنا بخير الحمد لله، نزحنا من منطقة لمنطقة وبعدها قررنا نرجع على الدار ونستصلح جزء منها وعشنا ظروف صعبة جداً لأنه المنطقة بعيدة وعشنا المجاعة وقَطْعة الطحين ف صرنا نبيع من أغراض الدار عشان نقدر نعيش”.
استطاعوا العيشَ بشق الأنفس رغم الجوع والخطر، إلى أن باغتهم الاستهداف من حيث ظنوا أنهم في مَأمن، قُصفَ منزلهم فوقَ رؤسهم، وفقدت هناء زوجها وابنها وعدداً من أفراد عائلة زوجها، في يومٍ أليمٍ نجت هي فيه جسداً لكنَّ روحَها بقيت عالقة بين الركام. تصف هناء بدموع عينيها، وبقلب يعتصره الفقد، بشاعة ما حدث معهم قائلة:
“لعند تاريخ ١٨/٣/ ٢٠٢٤ هاد أسود يوم في حياتي كان رمضان وفجأة صارت ضربة وحسيت كل الردم نزل علينا جريت على البنت لقيت الردم فوقها وأنا بحسس ع العتمة طلعتها عايشة وصرت أنادي على زوجي مردش عليا طلعت أشوفه لقيت المكان ردم كسرت الباب فلقيت مجزرة زوجي مرمي على ضهره وابني بحضنه مسكته لقيت فش فيه نفس مسكت زوجي لقيت فيه نفس حطيت راسه بحضني صار ينزف قلتله تشاهد فأخد نفسه الأخير واستشهد في حضني”.
وتكمل: “أخد نفسه الأخير وأخد نفسي معاه أخد روحي معاه أخد سعادتي معاه أخد كل اشي بخصني في الحياة معاه في نفسه الأخير ومن لحظة ما طلعت روحه بدأت أسود أيام حياتي”.
في لحظة.. أطبقَ الفقد على أنفاسها وأخذ منها حبَّةَ قلبها وحلوَ سِنيها؛ رحل زوجها الذي كان لها سنداً وسداً وأضحت هناء بعده وحيدةً مع عائلة مارست عليها أبشع أنواع العنف والإهانة. تقول هناء:
“بديت أحس بالحرب الحقيقية مع البشر مع الأب مع الأخ مع مرت الأب لأنه زوجي هو كان سندي وكل اشي ومن لحظة استشهاده تدمرت حياتي صار اليأس عندي نسبة كبيرة وصرت بدي أمشي عشان خاطر بنتي ولما ترملت رحت عند أهلي وشفت العنف شفت المعايرة شفت الضرب من مرت أبويا، أبويا ما حكمش بينا بالعدل كان يمسكني عشان هي تضربني خنقني مرة وهي نزلت فيا ضرب وقتل وأنا كنت أسكت مقابل إني أعيش عندهم ويضلهم مستقبليني”.
وتكمل: “وضليت على هيك عند أهلي لعند ما حاصرتنا الدبابات ١٧يوم ونادوا علينا بالميكروفونات نطلع على صلاح الدين وطلعنا على مدرسة اجيت بدي أقعد بصف أخويا ما استقبلنيش حكا أنا مش مسؤول عنك وأبويا حكا نفس الإشي فقعدت عند أختي وفي يوم ما لقيت إلا أخويا بهجم عليْ بالمنشتر(بآلة حادة) وتلاقاها ابن أختي وأخد ١٠ غرز عشان موضوع لبسوه فيا”.
بعد ما تعرضت له هناء من قسوةٍ ورفضٍ من أهلها لاستقبالها؛ حاولت أن تقف على قدميها لأجل طفلتها الصغيرة، فهي كلُّ ما تبقى لها.
تحكي هناء: “ولما خلص التصعيد وكل واحد روح ع داره صفيت أنا وبنتي لحالي بالمدرسة فش معي حدا وقعدت لحالي ٦ أشهر وحاولت أعيش وأقف ع رجليا عشان بنتي وصاروا ناس يتقدمولي وأنا كنت رافضة الزواج واخوتي صاروا يتآمروا عليا وبدهم ياخدوا البنت وأخويا إجا بده يضربني بالدبسة وكان ناوي يخلص عليا وسحبوا جوالي ووقتها اجاني شخص تقدملي وخطبت عشان أرتاح وأطلع من اللي أنا فيه وهيني عايشة معاه يمكن يكون عوض وسند لإلي”.
وتختم: “والله أعلم لوين نوصل الله أعلم ايش اللي لسا مكتوب إلنا هل هنعيش وهل أنا اللي حكمل حكايتي ولا حد يكملها من وراي”.
فرصة الزواج لهناء كانت معبر أمان لها وحفاظاً على ابنتها، وهرباً من العنف والتهديدات التي تواجههن من أهلها، فهي تصرُّ على المحاولة، وعلى إختلاقِ حياةٍ جديدةٍ قد تعيدُ لها شيئاً مما فقدت.. وأيضا تصرُ أن تروي قصتها لتكونَ شهادةً حيةً لإمرأةٍ واجهت فقدها وخوفها، مثلها مثلُ آلافِ النساء المكلومات، فهناء حكاية وكلُّ حكايةٍ في هذه البلاد تستحقُ أن تروى.