نوفمبر 26, 2025
خيمة بلا عنوان: مرام وثلاث طفلات في ذروة قسوة في النزوح
خيمة بلا عنوان: مرام وثلاث طفلات في ذروة قسوة في النزوح

“وصلنا منطقة كانت قريبة من الحدود المصرية، كُلّها تلال رمل، وين ما تطلّعي تلاقي خيم، ما قدرت أعرف مكانهم (العائلة) بالزبط، حاولت أتصل على أي حد منهم، وللأسف كانت الاتصالات مقطوعة، صرت ألفّ أنا وبناتي بين الخيم وننادي عليهم…” تروي لنا مرام عن لحظةٍ بدت طويلةً جدًا أثناء واحدةٍ من حلقات النزوح التي عاشتها مع بناتها الثلاث نتيجةً لاستمرار واتّساع مدى عدوان السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزّة.

لم يكن الوضع أفضل بكثير قبل هذه اللحظة ولا بعدها، فقد أجبر العدوان الإسرائيلي الشرس مرام وبناتها على النزوح سبع مرّاتٍ حتى اللحظة. لكنّ تلك اللحظة كانت الأقسى على حدّ وصف مرام، حيث فُقد فيها الاتصال مع بقيّة عائلتها، واضطرت لأن تتصرّف وحدها، دون أن تعلم لو كانت الحياة في ظلّ العدوان ستمنحها فرصة لقائهم مرّةً أخرى، حيث يُلاحق الموت والفقد الجميع كُلّ ثانية.

“نزحت مع أهلي أكثر من مرة عند قرايبنا، ولأنه عددنا كان كبير، قررنا نتوزّع عشان يخف الضغط، قعدت أنا وبناتي عند قريبة إلنا، تهددت المنطقة اللي كانوا أهلي موجودين فيها، وانتقلوا لأماكن ثانية، أختي كلمتني وبعتتلي عنوانهم برفح”، تحكي مرام عمّا سبق تلك اللحظة. لكن بعد فترة قصيرة، وصلت التهديدات بالقصف إلى المنطقة التي تواجدت فيها مرام وبناتها التي تبلغ أكبرهن الثانية عشرة من العمر، فقررت اللحاق بأهلها والاستعانة بالعنوان الذي وصلها من أختها سابقًا، لتصل هناك ولا تتمكن من إيجاد أيّ أحد، فقط امتدادٌ لا ينتهي من الخيام والرمال. تتنهّد مرام وهي تتذكّر قسوة اللحظة “احترت ما عرفت وين أروح، ولا شو لازم أعمل”.

مرام مُطلقة وتُعيل طفلاتها الثلاثة. عملت لسنواتٍ طويلة وكان لديها مشروعها الخاص الذي يوفّر دخلًا لأسرتها. ثم جاء العدوان المستمر منذ عدوان السابع من أكتوبر 2023 وأتت على مشروعها لتُحيله أثرًا بعد عين، تاركةً مرام دون مصدر دخل ودون مأوى ودون مُعيلٍ آخر؛ بعد أن تخلى طليقها عن مسؤولياته تجاه الطفلات الثلاث.

تعود مرام لتلك اللحظة القاسية، حيث لا ترى سوى الخيام، وتنادي هي وبناتها ولا يسمعن أحدًا من عائلتها يرد: “قعدت من التعب عالرمل وبناتي حوليا، صرت أعيّط. وهنا بنتي الصغيرة طلبت تروح الحمام. سألت وعرفت إنه في مدرسة قريبة، رحنا عليها، وللأسف منعونا من دخول الحمام بحجّة إنه إحنا مش نازحين بالمدرسة. فقدت أعصابي قدّام دموع بنتي ودخّلتها الحمام بالقوة، وبعدها رحت للمدير، وقبل حتى ما يسمع وبطريقة مهينة جدًا؛ رفض يستقبلني بحجّة إني لحالي وما معي رجل”.

تتابع مرام والدموع تملأ عينيها: “لقيت جامع قريب، والوقت تأخّر، وكنّا بعز البرد بشهر واحد، ما عرفت أنام ويا دوب غفيت شوية؛ صحيت على صوت دوشة وبناتي جنبي بعيّطوا، وشخص برفع سلاح بوجهي وبهددني أطلع من المكان”. فور طلوع نهار اليوم التالي اضطرت مرام وبناتها للعودة إلى مكان الخيّام ومحاولة البحث عن أحدٍ من أهلها هناك، لكن اليوم انتهى دون أن تصل لهم، وأصابها الإعياء الشديد هي وطفلاتها من كثرة البحث وسط الرمال. “وهنا شافنا شاب كان بيعمل خيمة لعيلته، واقترح علينا نبات فيها. فردت شوية نايلون من بواقي الخيمة نيمت البنات عليه وغطّيتهم بشوية أواعي، وأنا طول الليل ما عرفت أنام، وحاسّة قلبي حيوقف من البرد، وراسي حيتفجّر من التعب والتفكير.”

لكن الليلة القاسية الباردة انتهت ببعض الفرج: “طلع النهار أخيراً، وبمجرد ما طلعوا بناتي برا الخيمة شافوا خالهم، وصاروا يصرخوا من فرحتهم”، تبتسم مرام بالرغم من ملامحها المجهدة وبشرتها التي أحرقتها حرارة الخيام، وجسدها النحيل الذي أعياه شح الطعام وضنك حياة النزوح، ثم تعود لأرض الواقع وتكمل جُملتها “عملنا خيمة قريبة عليهم، لكن للأسف حجم المعاناة في الخيمة بدّه مجلّدات عشان نوصفه”.

قصة مرام لا تروي فقط رحلة نزوح قاسية، بل تكشف جانبًا عميقًا من معاناة النساء اللواتي يتحملن وحدهن أعباء الإعالة والحماية وسط انعدام الأمن وفقدان أبسط الحقوق. إن معاناتها تمثل آلاف النساء في غزة، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة الحياة والنجاة دون سند. لذلك فإن مرحلة إعادة الإعمار يجب أن تُصمم حلولها بما يضمن للنساء الأمان والكرامة والقدرة على الاستمرار. حيث إن إشراك نساء مثل مرام في وضع وتنفيذ خطط الإغاثة والإعمار ليس فقط استجابة عادلة لاحتياجاتهن، بل شرط أساسي لبناء مجتمع متماسك وقادر على النهوض من جديد.

 

توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.

“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”

Other Topics