أغسطس 7, 2025
زوج لا يرحم، وقانون ظالم
زوج لا يرحم، وقانون ظالم

“اليوم مرت أربعة شهور على آخر مرة شفت فيها أولادي الاثنين” هكذا بدأت الحديث (مروى) السيدة الأربعينية في العمر، وبالرغم من معاناتها شأن الآخرين من ظروف الحرب وقسوتها، لكنها تعيش حسرة وألما لا يوصف، وتتعثّر الكلمات في فمها بسبب غصّة في حلقها وهي تقول ” في مرة ومن خوفي على أولادي لما صار قصف رحت عشان أطمئن عليهم، لكن زوجي ما سمح لي أشوفهم و وطردني من البيت”، وتتساءل ” كيف يمنعني من حقي في إني أشوف أولادي، حقي هذا مكتوب بالقانون؟”.  

لكنه الضعف وقلة الحيلة وظروف الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة وغياب المحاكم، اجتمعت كلها في وجهها كإمرأة، عندما أدركت أخيراً أنها يجب أن تضع حد للعنف الذي تتعرض له، موقنة أن إذعانها لسنوات لزوج معنّف وتقبلها ذلك من أجل أطفالها، لم يحميهم بل جعلهم أكثر هشاشة وضعف، وجعلها في وضع مهين لأنها قبلت بكل ما ينتهك حقوقها كإنسانة.

“ما بعرف كيف اتحتملت كل هذا العنف طول السنين الماضية، بيّن كل إشي من اليوم الأول لكن ما تجرأت على التصريح لعائلتي برغبتي بالانفصال، خصوصا وأنا إلي تجربة طلاق سابقة، الأمر مبيّن وكأنه انحكم عليّ أبقى ضحية للعنف حتى آخر العمر، لأنه مجتمعنا محكوم بثقافة يحط اللوم دوم على المرأة” تقول (مروى).

وتسرد (مروى) حول أشكال العنف المنزلي الذي كان يمارسه زوجها بحقها والذي لم يتوقف يوماً ” كان بيضربني دايما، ويوصفني بأبشع الأوصاف، وبيحرّض أطفالي علي، ويمنعهم من انهم يسمعوا كلامي، وضربني عدة مرات وصلت حد كسر إيدي، وفي مرة تانية تم تقطيب رأسي،” واسترسلت في شرح حالتها “لكن الأسوأ أنه كان يخليني مشبوحة طول الليل مربوطة بالحبال وكل إشي كان يصير قدّام أولادي الإثنين وكانوا بيعيطوا من الخوف. وما بيقدروا يمنعوا أبوهم خايفين يصير فيهم نفس الإشي”.

حاولت (مروى) الانفصال لكن والدها كان يرفض كي يتهرب من مسؤوليتها سيما وأنه متزوج من أخرى بعد وفاة والدتها، وقالت: “ما شجعني أي حد اشكي عليه ( تقصد زوجها) عند الشرطة، وحتى لما قررت أترك البيت وأطلب الطلاق و أروح لأي مكان أحسّ فيه أنه رجعت لآدميتي وإنسانيتي، هددني بأنه لو عملت هيك مش راح أشوف أولادي، وعلى فكره هو قادر على هيك”، وتضيف: “باعرف نسوان كثار انحرمن من أطفالهن لما قرّرن ينفصلوا عن زيجانهن لأنه فش حماية للمرأة في القانون، والأم المطلقة بينتهي حقها بالحضانة بعد عمر تسع سنين للأولاد واحد عشر سنة للبنات”.

تقول (مروى): “المشكلة زادت من بداية الحرب، ونزوحنا إلى رفح، وانتقلنا من مكان سكننا في خانيونس وقعدنا عند ناس في رفح، وطول الوقت زوجي قاعد ما بيتحرك ولا بيعمل أي اشي، وكل ما أطلب منه أي حاجة إلي أو للأولاد من فلوس وتأمين خيمة إلنا كان يجاوبني بأنه مش مجبور يعمل إشي”، واسترسلت بألم وحزن “عشان هيك صرت أروح للمؤسسات يساعدوني وتمكنت من الحصول على خيمة، ولمّا طلبت منه ننتقل إلى مواصي خانيونس فاجأني بأنه بدّه مصاري مقابل نصب الخيمة، كأنه شخص غريب عني”.

وكانت (مروى) أثناء الحديث تحاول أن تتماسك كي لا تبكي وهي تصف أوضاعها وألمها، وهي تقول: “مين بيصدّق أنه أنا وأولادي كنا في كثير من الليالي ننام بدون ما ناكل أي وجبة طول اليوم، وكنت ألجأ لأختي عشان تساعدنا في أكلنا وشربنا، وجوزي مش مهتم بتاتا، بس كان كل ما حاولت أحكيله عن احتياجاتي أنا وأطفالي التي تضاعفت بسبب النزوح يقوم يضربني”.

حينما بلغ سيل العنف منتهاه، لم تحتمل (مروى) ووضعت حد لمعاناتها وغادرت الخيمة، ولجأت لدى صديقة لها، وحاولت أن تصطحب أطفالها معها، لكن زوجها رفض ذلك، وقام بشتمها وسبها بألفاظ قبيحة، متهما إياها بأنها ساقطة ليحملها مسؤولية خروجها من حياته.

حاولت (مروى) الحصول على الطلاق باللجوء للمحكمة ووضع حد للتنازلات الكثيرة التي أجبرت عليها، وقالت: “المشكلة أنه القاضي رفض أن يسمعني، وقالي فش هالحين رفع قضايا طلاق لأنه في حرب، وكل قضايا الطلاق مالهاش مبرر وبس تخلص الحرب بيصير إشي تاني”، ولذلك تقضي (مروى) أياما عصيبة عليها، بعد أن صادر زوجها حقها في مشاهدة أطفالها أو حتى احتضانهم، وتقول بغيظ: “والمحكمة كمان ما قبلت مني أرفع قضية نفقة زوجية، ولا راح تحكم لي بحضانة الأولاد على أساس الدنيا حرب، يعني الحرب بس عشان تضيع حقوق النسوان والرجال الظالمين يكونوا أقوى”، وبذلك باتت هي لا تملك أي قدرة على تحصيل حقوقها الشرعية والقانونية سواء نفقة لها أو تأمين سكن (خيمة) خلال النزوح.

وتقول بحسرة: “كل اللي بتمناه اليوم أنه آلاقي حدا يوقف معي ويسمعني ويساعدني، لأنه من حقي أكون حرّة، لأني مش مجبورة أطاطي أكثر من هيك لزوج معنف وما بيرحم، استحملت كثير عشان الأولاد، بس هلق، خلص مش قادرة أتحمل لأنه فعلا الحياة مع هذا الرجال مش حياة أصلا”.

Other Topics