أغسطس 23, 2025
زُفَّت إليه عروساً قاصرًا وودَّعته أرملة
زُفَّت إليه عروساً قاصرًا وودَّعته أرملة

وسطَ معاناة العدوان، وبين أروقةِ مركزٍ لإيواء النازحين في مدينةِ غزة، وُلدت قصةُ حبٍ خجولة، بينَ ديما، القاصر ذات الأربعة عشرَ عاماً، وابنِ عمِّها محمد، الذي لم يتجاوز التاسعةَ عشر. ظنّت ديما أن الزواج سيُنقذها من خوفها المستمر، ويمنحها شيئاً من الاستقرارِ والأمان، لكنها لم تكن تعلم أن العدوانَ لا يُبقي شيئًا على حاله، وأن أحلامها بتكوينِ عائلةٍ سعيدة ستنتهي قبل أن تبدأ.

تحكي ديما كيف مرت عليهم الأشهر الأولى من العدوان، بكل ما حملته من نزوح قاسٍ، ومراحلَ صعبة: “من أول أيام الحرب طلعنا من دارنا من شدة القصف ورحنا عند أهل إمي وهناك شفنا الموت بعينينا وضلينا ننزح والوضع كان صعب وبعدها اضطرينا ننزح على مستشفى الشفاء لعند الاجتياح الأول لما دخلوا اليهود طلعنا ورحنا على مدرسة وعانينا كتير لأنه مش متعودين على عيشة المدارس والذل بابا كان مرفهنا وموفرلنا كل اشي والمدرسة معاناة من ناحية الأكل والميا وكل اشي”.

تحولت المستشفيات والمدارس في قطاعِ غزة إلى مراكزَ إيواء تضمُ آلافَ النازحين، بعد القصفِ العنيف وأوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال لمعظمِ مناطقَ القطاع، مما اضطرَّ السكان إلى التعايش في ظروف حياتية صعبة.

عانت عائلة ديما من النزوح داخل أحدِ مراكز الايواء، وهناك حاولت ديما البحث عن طوقِ نجاة، فتعرفت على ابن عمها، وتشكلت بينهما علاقة صداقة، ما لبثَ أن اقترح كبار العائلة تزويجهما، في ظروفٍ صعبةٍ لا تمتُ للفرحِ بصِلة.

تقول ديما: “ومرت الأيام واحنا قاعدين في المدرسة وكانوا دار عمي قاعدين في الصف اللي جمبنا وكنا نتساعد في الأكل والميا وهاي الأمور وتعرفت على أولاد عمي وصارت علاقتنا حلوة بينا، ف واحد من أولاد عمي حبني وحكى لستي إنه بده اياني واجوا خطبوني ورضيت وفي يوم قرأنا الفاتحة وكتبنا الكتاب”.

وتكمل: “قعدنا ٣ أشهر خاطبين بعدين تزوجنا بس ما أخدت مهري كامل دفعولي الثلث بس عشان الظروف ووعدوني بالباقي وعشنا أنا وزوجي في دار العيلة”.

ارتفعت حالات تزويج القاصرات دون السن القانوني الشرعي وهو (١٤عام وسبعة أشهر) بشكلٍ ملحوظ خلال العدوان الأخير على القطاع، إذ استغلَّت بعضُ العائلات ظروفَ العدوان وما رافقها من غيابٍ للرقابةِ القانونية التي تَمنع تزويج القاصرات، كما أدت الظروفُ الاقتصادية إلى انخفاض تكاليف الزواج، وعدم دفع المَهر الموثّق في عقد الزواج كاملاً، مما دفعَ بعض العائلات إلى اعتبار أن الزواج في هذهِ الحالة “فرصة لا تعوض”.

واجهت ديما صعوباتٍ كثيرة في بداية حياتها، إذ وجدت نفسها تتحمل مسؤولياتٍ كبيرة قبل أوانها.

ولم تمضِ فترة طويلة حتى اكتشفت أنها حامل. تقول ديما في هذا: “وعند رجعة أهل الجنوب صارت شوية مشاكل على الدار، صارت سلفتي بدها اياني أشتغل وأنضف ووقتها عرفت إني حامل، وقعدت في دار لحالي أنا وزوجي، وعشنا وزوجي ما حرمني من اشي، جابلي اللي بنفسي وعشاني حامل ما قصر فيا أبداً”.

طفلةٌ تحمل في داخلها طفلةً أخرى، لكنَّ ديما لم تتخيل أنها ستصبح أماً وأرملةً في آنٍ واحد، وأنَّ طفلتها الصغيرة ستأتي إلى هذه الدنيا يتيمة، محرومة من أبيها قبلَ أن تطلقَ أولى صراخاتها.

تحكي ديما عن استشهاد زوجها: “هلقيت مرت الأيام وبعد الهدنة لما رجعت الحرب تاني اشتد القصف عنا في المنطقة وفي يوم نزلوا الشباب يعبوا ميا وأنا دخلت على المطبخ أعمللهم الغدا، يومها زوجي طلب أعمل رز بالقدرة، خلصوا من الميا واجوا قعدوا يستنوا الأكل يجهز فزوجي قعد يمزح ويقول يلا اجتمعنا هينا ٨ شهداء، بقله مالك يا زلمة ايش اللي بتحكيه”.

وتكمل: “والله وحطيتلهم الغدا ورجعت على المطبخ بدي أجيب الصحون ولسا ما لحقت أروح لهما ضربوا الطابق بقذيفة وأنا أول ما لفيت حالي ناديت على زوجي وما لقيت إلا الصالون اللي ورايا طاير وصرت أصرخ أحكي زوجي استشهد زوجي استشهد صرت أجري ونزلت على الدرج وفش شوية إلا ضربوا كمان قذيفة على الدار وانحرق كل الطابق الأخير وتأكدنا بعدها إنه زوجي واخوته الاثنين استشهدوا”.

لم تأخذها الحياةُ نحوَ الحب، بل دفعتها نحو الفقد، ففي غمضةِ عين: فقدت ديما زوجها وهي تعدُّ له طبقَ الأرز الذي طلبهُ، وفقدت بيتها، وغدت أرملةً صغيرةً تتعلمُ الأمومةَ في عامها السابعَ عشر، وتنتظر طفلةً لا تعرف كيف ستحتضنها وحدها.

تحكي ديما: “لما جابوا زوجي وودعته كان أصعب حاجة عليا وأول صدمة بحياتي، والله لحتى الآن بعاني من الضربة، لسا صوت زنة القذيفة بودني، بنقهر لما أتذكر إنه كان جاي على باله رز بالقدرة وما أكله، ومات وهو جوعان”. وتكمل: “يوم ما استشهد الصبح قعد يقلي ديري بالك على بنتي اهتمي فيها ودايما لبسيها أحلى لبس وأنا بقله مالك يعني أكيد مش حقصر فيها وهو كاين بوصي فيا وأنا مش عارفة وأنا هيني هلقيت حامل وصرت أرملة”.

Other Topics