أغسطس 25, 2025
طفلةٌ نُزعت من حضنِ أُمها
طفلةٌ نُزعت من حضنِ أُمها

في سنِّ العاشرة، طفلةٌ سُلبت منها طفولتها على حين غفلة، بعدما انتُزعت من والدتها المقيمة في الإمارات وجِيء بها قسرًا إلى غزة على يد والدها، لتعيش مع عائلته التي لم ترحم طفولتها وعاملتها بكلِّ قسوةٍ وإهانة.

تالا طفلةٌ جميلةُ المحيَّا، تبلغُ من العمر١٥ عاماً، ولدت في الإمارات وتربت بين أحضان والدتها، حيث الطمأنينة والسكينة، قبل أن تُحرم كلتاهما من حقهما في الأمان. تقول تالا:” ماما وبابا انفصلوا بعد ما تزوجوا بفترة قليلة لما ماما كانت حامل فيا ومن أول ما انولدت ضليت عايشة عند ماما وكنت أروح عند بابا زيارات، ف اجا يوم من الأيام وكذب على ماما، كلمها وأخدني عنده وضحك عليا حكالي بدنا نروح على الفندق وأنا كنت ١٠ سنين صغيرة ومش فاهمة، كنت مفكرة رايحة رحلة، وبعدها سافر فيا على مصر وهناك كلم ماما حكالها أنا أخدت البنت وفش الك بنت عندي وتاني يوم نزلنا على غزة”.

وتكمل: “كانوا يضربوني بالبربيش على كل جسمي عشان أشياء مش مستاهلة، ولما كانوا يعملوا هيك أضل أحكيلهم بدي ماما فيصير بابا يضربني ويحكيلي انت فش إلك أم، وضليت على هاد الحال”.

“ليس لكِ أُم”، عبارةٌ كان وقعُها أشدَّ من الضرب، رغم أنها لم تقترف ذنباً في كل ما يحدث، ومع اندلاع العدوان الأخير على قطاع غزة، عاشت تالا ظروفاً لم ترَها من قبل، حيثُ النزوح والخوف وإصابة والدها، فيما أُجبرت على أداء مهامٍ تفوقُ قدرةَ جسدها الصغير على التحمل. تصفُ تالا ما عاشته قائلةً: “لما اجت الحرب كنت خايفة وبابا تصاوب من أولها وكان بالمستشفى تعبان ومع غيابه صاروا يزيدوا عليا المشاكل والضرب، يجبروني اخوتي من أبويا إني أشتغل وأعبي ميا وأحمل تقيل وأنا بقدرش وكانوا يجبروني أنضف الحمامات، وتيتا كانت واقفة بصفهم”.

وتضيف: “وإذا ما عملت الشغلة زي ما بدهم بتيجي بتخبطني أختي خبط قوي ما بتحمله كانوا دايما يضربوني ويهينوني ويميزوا بيني وبين ولادهم”.

تحمَّلت تالا فترةً ليست بالهينة، حتى وصلَها خبرُ استشهادِ والدها، لحظةٌ ظنّت فيها أنَّ معاناتها ستنتهي، لكنَّ الواقع كانَ أشدُّ قسوة. تقول تالا: “لما توغلوا اليهود وحاصروا مستشفى الشفاء وصلنا خبر إنه بابا استشهد وأنا صرت أفكر معقول خلص أروح عند ماما ولا معقول يهينوني ويضربوني بزيادة”.

وتضيف: “وبعد ما بابا استشهد كانت ماما ترن تسأل عني يحكولها بنتك مش هان بنتك ماتت ومن هالكلام ف ماما قلقت عليا وبعتت خالتي تتطمن عليا برضو حكولها البنت مش هان وما رضيوا يخلوني أطلع”.

كما توقعت تالا، حصل ما كانت تخشاه ومع كل محاولة من والدتها للاطمئنان عليها، كانت تُواجَه بالكذب والتضليل، وبعد صمتٍ طويل، تجرَّأت تالا على خوفها وقالت لعائلتها أنها تريد أمها رغمَ علمها بما قد تتعرضُ له من عنف جراء هذا القرار.

تحكي تالا: “في وقتها صاروا يغوشوا عليا ويسألوني انت مين بدك، بدك ايانا ولا بدك إمك، وأنا بخاف بس وقتها لأول مرة حكتلهم بدي ماما، عصبوا وصار أخويا اللي من أبويا يحكي هلقيت بدي أرن على جوز خالتها ييجي ياخدها ورن عليه وبعدها صار يغلط عليا ويضربني”.

وتكمل: “اجا جوز خالتي تاني يوم وأنا حكتله بدي ماما أنا محرومة منها سنين، ورحت ضبيت أغراضي بشنتة راحوا رمولي الشنتة وحطوا الأغراض بكيس حتى نص أواعيا ما أعطوني إياها بحكولي هدول منا احنا شرينالك إياهم ما تاخديهم وبس أعطوني كم لبسة من الأواعي المش نافعة”.

وتضيف: “وكان إلي ذهب سنسال وإسوارة من بابا أخدوهم قال هدول من أبونا، وكان إلي جوال وآيباد نسيت آخدهم وقتها مع الخوف والتوتر، ولما طلبتهم بعدها جابوا الجوال مكسر وحكولي فش إلك عنا آيباد”.

مُنعت تالا من قبل عائلتها من أخذ معظمِ مستلزماتها، خاصةً ما تملك من أشياء ثمينة، ثم طردوها وأنكروا وجود أيَّ حقوقٍ لها، ومذ ذلكَ الحين لم يسأل عنها أحد أو يتفقد حالها بعدما أصبحت تعيش يُتمَ الأب وغربةَ الأم. تقول عن هذا بحرقة: “وبعد ما طلعت صاروا يحكوا لجوز خالتي هادي البنت طلعت من عنا وما إلها عنا حقوق وممنوع تيجي عنا على الدار ورحت عند خالتي وطول هادي الفترة ما بكلموني ولا بسألوا عني، وفي مرة طلعلي مصاري من بعد استشهاد بابا، اجت أختي معايا وأخدت نص المصاري مع إنهم إلي، وأنا ما بقدر أعترض أو أدافع عن حالي”.
وتضيف: “أنا خلص مليش حد هان وهلقيت بستنى يفتح المعبر وأروح عند ماما وأكمل حياتي معها”.

رغم كلّ ما عاشته من معاناة، ما زالت تالا تنتظرُ لحظةَ الخلاص، تلك التي تُعيدها إلى وجهِ أُمها، فقد غاب عنها الجميع وبقيَ قلبها الصغير يبحث عن طريقٍ واحد: حضن أمها.

Other Topics