تُخبئ الجدران قصصًا لا حد لوجعها، وكذلك الحال مع سندس التي تحملت مسؤولية أكبر من عمرها.
كانت سندس وإخوتها الثلاثة، ضحايا عائلة مفككة، فبعد انفصال والديها ودعت سندس طفولتها وهي لم تكمل بعد العقد من عمرها وصارت المسؤولة عن إخوتها. وفي الخامسة عشرة من عمرها، وجدت نفسها تعيش معهم وحدها في بيت خالٍ من أم أو أب، لتقوم هي بدور الاثنين. ويبقى السؤال يلاحقها وإخوتها، في دواخلهم وعلى لسان الناس “الكل مصدوم ليش أمنا وأبونا تركونا؟ يمكن بسبب سوء المعيشة. فش حياة مستقرة ولا أمان”.
استمر الحال على ما هو عليه إلى أن اندلع العدوان، حيث زادت المسؤولية على سندس بعدما قررت جدتها ترك أختها الطفلة معها، والتي كانت في رعاية الجدة، تقول سندس “أول أيام العدوان، ستي سافرت وسابت أختي اللي من أمي عنا”. ثم بدأت معاناة النزوح، خصوصًا وأن والدها سافر قبل العدوان بأيام، وأمها مسافرة منذ زمن ولا يوجد من يتولى مسؤوليتهم “كنا عايشين في بيت ومستقرين، مش محتاجين حد كبير معنا. بس خلال العدوان ما لقينا مكان وتشردنا. عمري كان 17 سنة بس، ما عرفنا شو نعمل ومحدش سائل عنا”.
اضطرت سندس وإخوتها الأربعة للخروج من البيت تحت هول القصف ونزحوا إلى الجنوب وهكذا بدأت حلقة النزوح. “طلعنا عند خالاتي شهرين بالجنوب وبعدها نقلنا عند عمي، كان مفكر هنضل أسبوع أو أسبوعين ونسافر عند أمي بس مصارش نصيب وبنفس الوقت مش قادر يطردنا فصار يضغط علينا شوية شوية، يدفّعنا عشان يخلينا نقعد معه رغم إنها مدرسة إيواء، أي مساعدات بتطلعلنا لازم ياخد نصها بدل إيجار. يخبي أكلهم وياكل هو وعيلته من أكلنا رغم إنه مقتدر. احنا نستخسر ناكل لأنه الأكل غالي بس أصحى بالليل ألاقيه بياكل من عنا”. واستمر العم في جشعه، يسلبهم لقمتهم ويسيء معاملتهم ويحرمهم أبسط حقوقهم وحتى أنه يحرضهم على بعضهم، كما تروي “كان يضل يصرخ علينا ويبهدلنا. لو بدي أقعد على السطح ممنوع، لو بدي أزور حد ممنوع، لو بدي أشبك نت أكلم أبويا ممنوع. كان يتعامل على إنه البنت أقل من خادمة، تنضرب وتسكت، ويحكي لأخويا: اضربهم البنات صرامي!”.
تأتي سوء معاملته في محاولة منه لطردهم، حيث يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر “يا إما هيك يا بتروحي على خيمة”، وتعلق سندس “كانت فكرة الخيمة بالنسبة الي كتير صعبة وشبة مستحيلة، أنا 17 سنة وأكبر أخ 16 سنة، يعني ممكن أي حد يعتدي علينا”. قبلت سندس ما تجد من عمها مقابل أن لا يُتركوا وحدهم، لكن سرعان ما انقلب خوفها واقعًا تعايشه، بعدما رحل عمها وعائلته وتركهم لمصيرهم. “الدبابات قربوا من المدرسة وعمي ضب أغراضه وطلع بدوننا عشان ما يحطنا معه بنفس الخيمة. ضلينا لحالنا وفش في المدرسة حد غيرنا، تاني يوم طلعنا وضلينا نلفلف على مكان، لقينا أرض وصاحبها رضي يقعدنا فيها”.
لكن حتى هناك، لم يسلموا. “ضلينا لحالنا نازحين في خيمة، لحد ما واحد تهجم على أخويا. مقدرش يهجم عليه لأنه خايف يتعدى علينا احنا البنات. يومها أخويا أغمى عليه، والناس صاروا يحكولنا: اعملوا وسووا، بيفكروا الفعل سهل”، وحين ذهب أخوها إلى المستشفى، طلبوا منه إحضار ولي أمره، فلا يمكن لأحد أن يتصور فكرة وجود طفل دون ولي أمر. تخلى الوالدان عنهم أولًا، ثم خُذلوا من الجميع بعدها “محدش ساعدنا، لا أعمام وقفوا معنا ولا أخوال. ليش تعدى علينا أصلاً؟ غير لأنه فش إلنا حد”.
بعد الحادثة المذكورة، انتقلوا إلى مخيم حتى فُتح طريق العودة إلى الشمال، واستصلحوا جزءًا من بيتهم المقصوف ليعيشوا فيه وحدهم. لكن العدوان عاد بشراسته، وعاد النزوح من جديد، وهذه المرة إلى بيت عم آخر. “كلهم زي بعض. كل يوم يقعد يقلنا على أختي اللي من أمي: وين أبوها؟ ليش بيسألش عنها؟ ومتى بدها تطلع؟ بالعافية ومش قادر متحملكم ولاد أخويا، كمان جايبينلي أختكم من إمكم، بنت أبصر من وين!” تعلق سندس على تصرف عمها “أنا مش عارفة إيش أعمل، بتضلها أختي. فش حد متقبلها حتى أخوالي وخالاتي”.
ولا يكتفي العم في إهانة الطفلة الصغيرة، بل يزيد في إهانة أبناء أخيه، تقول سندس “أنا بقدر أتحمل، بس في كلام الواحد بيقدرش يتحمله. بيضل يقلنا: أمكم وأبوكم راميينكم. هو هيك بيستمتع. ولو عصبت، أول كلمة: اطلعي برا. يا بتتحملي وبتسكتي، يا بتطلعي تعيشي بخيمة. وأنا مش قادرة أعيش بخيمة مرة تانية”.
يتنصل الجميع من مسؤوليتهم، وأولهم والدها الذي يتركهم لمصيرهم في مواجهة بطش العدوان والأقارب دون حتى مصدر دخل يكفيهم “بدون أم ولا أب، محدش هيصرف علينا. أبويا بيبعتش إلنا فلوس، بنحكي معاه لما يكون فاضي. بنرن عليه بيطفي بوجهنا، بيحكيلنا: مشغول. لما نكلمه، بيقلنا: هادي الحياة اللي انكتبت عليكم، اصبروا”. تكمل كما لو أنها تبرر له غيابه عن كل تفاصيل حياتهم “بالنهاية، احنا صار النا حياة مختلفة تمامًا عنه”، ثم تصمت لبرهة وتقول “بديش أعيش كل حياتي وأنا حاسة إنه أمي وأبويا بيكرهونا. على الأقل واحد بيحبنا. تزوجتوا ليش إذا بدكم ترموا أولادكم؟ عشان هيك أنا بكره كل واحد بيتزوج. إحنا مجتمع متخلف، بدهم يتزوجوا بس ويرموا. بيفكروا الطفل بس بده ياكل ويشرب وينام”
تقول سندس بصوت متعب “أنا ضحيت كتير بحياتي عشان إخوتي، ما عشت طفولتي، بديش أضحي كمان عشان شخص تاني. بحكي لإخوتي: لو قدرت أسافر بسافر حتى لو بدونكم ولو انتو قدرتو تسافروا حتى لو بدوني سافروا”، ثم تستدرك أمرًا يضعها بين نارين “بس لو بدي أسافر، لمين أسيب أختي الصغيرة؟”
تعمل سندس حاليًا في فريق تطوعي، فصار متنفسًا لها في مواجهة ما تلاقيه من صعوبات اجتماعية وكذلك اقتصادية، حيث تتقاضى مبلغًا شهريًا بسيطًا وغير ثابت، لكنه يساعد في توفير أقل القليل “مبسوطة إني بشتغل عشان بطلع من البيت. هادا الاشي الوحيد اللي مساعدنا نصمد قدام الوضع”. لكنها تبقى المسؤولة والمُعيلة الوحيدة، فينتظر منها إخوتها حلًا لكل صعوبة وينسون أنها تشاركهم نفس القدر “إخوتي بيساعدوا بس مش بالشكل المطلوب، بيضلهم يحكولي جعانين وبيستنوا مني أدبرلهم، طب من وين أجيبلكم ! مش مفروض بس أنا اللي أتحمل المسؤولية”.
تنهي سندس قصتها بكل ما فيها من وجع أكبر منها، بقول يلخص معاناتها من خذلان ووحدة “حاسة حالي مقطوعة من شجرة”.