رهف، طفلةٌ جميلة تبلغ من العمر ١٤ عاماً وشهرين، كانت على مقاعدِ الدراسةِ الثانويةِ، وتحلمُ بمستقبلٍ زاهر، قبلَ أن يحلَّ العدوان على قطاع غزة، وتُحرم من التعليم؛ إثرَ إغلاقِ المؤسساتِ التعليميةِ أبوابها نتيجةً للقصفِ الاسرائيلي العنيف الذي طال مختلفِ مناطقِ القطاع، وتحويلِ المدارس بشكلٍ اضطراري إلى مراكزٍ لإيواء النازحين.
في خِضم هذه الظروف، تغيرت حياةُ رهف كثيراً بعد أن قُطفت من بستانِ الطفولةِ قبل أوانها، ووجدت نفسها في ثوبِ الزَّفاف، وهي لا تعي حقيقةَ هذه الخطوة التي تتجاوزُ عمرها ووعيها معاً. تقول رهف: “أنا ما كنت مفكرة بالزواج كان ورايا مدرسة، في الحرب عاد تقدمولي ناس فسألنا عنهم قالوا مناح وأنا وافقت عادي كنت شايفة كتير بنات بتزوجوا بعمري ما كنت فاهمة ايش حيصير”.
لم تكن تعرفُ سوى أنها عروس، تتطلعُ إلى حياةٍ بسيطةٍ هانئة، لكنَّ الحقيقةَ كانت أبعدُ من ذلك؛ خُدعت هذه الطفلة البريئة، ليُدفعَ بها نحو الارتباطِ بشخصٍ فاقدٍ للأهلية، لا يملك القدرة على التواصل ولا على إدارة حياته.
تقول رهف: “قبل ما أخطب حكولي الشب بس عنده مشاكل بسيطة في سمعه وكلامه يعني لسانه خفيف بتكلمش منيح حكتلهم ماشي تمام ورضيت فيه وحكولي بس تمسكيه خاتم بأصبعك وما كنت فاهمة شو قصدهم”.
وتكمل: “بعد الخطوبة صاروا يحكولي انت احكي معاه وانت امسكي ايديه لما طلعنا أول مرة مع بعض لاحظت بالطريق إنه إنسان مش طبيعي مشيته غريبة حركاته غريبة أنا قلت يمكن عشان فرحان أو خجلان بديش أستسلم من أول مرة، تاني مرة لقيته نفس الاشي ما تغير”.
بينما صُوِّر لها أنه “يعاني فقط من مشكلة بسيطة في النطق والسمع”، وجدت رهف نفسها في مواجهةِ واقعٍ يتجاهل إنسانيتها وحقوقها. تقول لنا تفاصيل ما عاشت والذهول يعلو ملامحها: “أنا تفاجئت إنه بالمرة مش واعي بصعوبة لما أتكلم معاه لما أفهمه وبمشيش زي الناس أنا بعد ما شفته هيك وما بيعرف ياكل منيح وأهله هما اللي بحركوه، حكيت لأبويا بدي أنهي خطوبتي بديش اياه راح رن على دار حمايا وحكالهم، صاروا أهله يحكوا الولد منيح واحنا بنعالج الموضوع وبنعلمه وتخافيش وبس جربي هالأسبوع وأبويا قلي اصبري كمان أسبوع يمكن يتغير”.
لم يُترك لها متَّسعٌ للتفكير أو حتى للتراجع، حتى بدأت عائلةُ الشاب باستعجال إجراءاتِ الزواج، وكأنهم يخشون أن تعرف الحقيقة. لم تُمنح رهف حقها في المهر كاملاً، ولا الوقت لتلتقط أنفاسها، بل سارت نحو زفافها مُكرهةً، تخطو خطوة وتتراجعَ خطوات.
تتحدث رهف:” وفوق كل هاد هما ما أعطوني مهري كامل أعطوني بس أشتري أواعي والذهب حكولي بس يرخص وأنا حكتلهم ماشي كنت مصدقة وواثقة يعني، بعدها صاروا بسرعة بدهم يحددوا العرس ما صبروا اجوا أخدوا جهازي وغصبوني على موعد العرس وما كنت راضية عليه ولا فرحانة زي أي عروس”.
في انتهاك واضح لحقوق الفتيات وحقهن في الاختيار لمستقبلهن، وفي ظروف العدوان وغياب سلطة القانون، ظُلمت العديد من الفتيات الصغيرات، وأُجبرنَ على قراراتٍ لا يدَ لهنَّ فيها، من بينهن رهف، التي زُوِّجت قسرًا، لتكتشفَ لاحقًا حقيقةَ زوجها، وتُدركَ أنها لن تستطيع الاستمرار في حياتها معه.
تقول رهف: “يوم العرس صار في قصف قريب من المكان وهو مش فاهم اشي اضطرينا نروح بسرعة وأنا خلص حزت بنفسي وبعد ما تزوجنا اكتشفته على حقيقته طلع عنده مشكلة في قدراته العقلية ومش تبع جيزة ومسؤولية وأنا صبرت عليه١٠ أيام وما تحملت كيف هاد بكرة بده يكّون أسرة ويجيب أولاد، ورحت حكيت لأهلي أهلي انجنوا ورنوا على دار حمايا وحكولهم بنتنا بدهاش اياه وابنكم مش زي ما حكيتولنا يعني والكل شايف”.
وتضيف: “وهيني هلقيت حردانة عند أهلي وما دفعولي باقي المهر وحماي لما عرف بحكيلي يعمي بدكيش اياه حكتله اه لأنه ابنك مش زي ما انت حكيت صار يقلي انت كذابة وطلعتي على ابننا سمعة عاطلة واعرفي إنه فنجان القهوة اللي شربتيه عنا رح أخسرك اياه كل اشي رح أخسرك اللي وراكي واللي قدامك، وما صار بعدها أي تواصل وهلقيت بدي أسعى في الطلاق وأنهي الموضوع خلص”.
في غضونِ شهرٍ واحدٍ تحولت رهف من القاصر التي لا تملك من أمرها شيئاً، إلى عروس، وها هي الآن تقفُ على أعتابِ الطلاق، بعد تجربةِ زواجٍ قصيرةٍ وقاسية، تواجهُ على إثرها تهديداتٍ بحرمانها من حقوقها، في ظلِّ تجاهلٍ تام لما يكفله القانون من حماية للفتيات القاصرات ضحايا الزواج المبكر.