أغسطس 25, 2025
في انتظارِ مَن لا يُعرَف مصيره
في انتظارِ مَن لا يُعرَف مصيره

بين ليلةٍ وضحاها، أطبقَ العدوانُ الغاشمُ أبوابه على قطاعِ غزة، مشرعاً سيفَ النزوحِ على رقاب الغزيين، ومحاصراً إياهم بين عدوٍ لا يرحم، وبحرٍ لا تتحملُ حباتُ رمله سقفَ خيمة.

فبعدَ جولات من القصف العنيف والنزوح الشاق، نزحت سوزان وعائلتها إلى مستشفى الشفاء الطبي في مدينة غزة، بحثًا عن ملاذٍ آمنٍ يخففُ عنهم ما عانوه، لكنَّ هذا الأمان الزائف سرعانَ ما تلاشى، حينَ توغلت آلياتُ الاحتلال واقتحمت المستشفى في انتهاكٍ لكافةِ القوانينِ الدوليةِ والانسانية. كانت تلك الساعاتُ العصيبة كفيلةً بحبسِ الأنفاس، وبثِّ الرعبِ في قلوبِ جميعِ من في المستشفى، فهم الآن يواجهونَ مصيراً مجهولاً، أمامَ عدوٍ متعطشٍ للدم، يقتلُ إنساناً كلما تنفس.

تصفُ سوزان ما حدث معهم قائلة: “من بداية الحرب نزحنا من دارنا ورحنا على دار أخويا وبعدها صار قصف شديد والدبابات تقرب فحكوا روحوا على مستشفى الشفاء على أساس مستشفى وأمان، ولا عمرنا كنا بنتخيل اللي صار رحنا وقعدنا هناك شهر وشوية والوضع يزيد سوء وحكوا إنه اليهود بدهم يدخلوا الشفا ووقتها المستشفى كانت مليانة ناس”.

وتضيف: “فجأة في ليلة الساعة ٢ دخلوا اليهود علينا واحنا نايمين، دخلوا المستشفى بالدبابات ويطخوا والموقف كان مرعب مرعب وأنا حضنت ولادي وجوزي جمبي يهون علينا ويحكيلنا تخافوش رغم إنه احنا قعدنا نتشاهد من الخوف”.

وتكمل في وصفِ الأهوالِ التي عاشوها أثناء حصارِ المستشفى: “صاروا ينادوا علينا انزلوا لساحة المستشفى واحنا بنرجف من الخوف والدنيا ليل وعتمة ما معنا ضو نزلنا تحت كلنا جماعة وشفنا مناظر ولا بحياتي بنساها قاتلين الشباب وراميينهم على الأرض، وبناتي لما شافوا منظر الجثث صاروا يصرخوا من الخوف”.

مرَّ الوقتُ بعدها كسيفٍ مثلومٍ يحزُّ فيهم فلا هو قاطعهم ولا هم ناجون. وبعربيةٍ لا تشبهُ لغةَ أهلِ الأرض، أمرَ الجنودُ أن يذهبَ الرجال إلى جهةٍ والنساء إلى جهةٍ أخرى، حيث جردوا الشباب من كلِّ شيءٍ إلا من ملابسهم الداخلية، وانهالوا عليهم بالضرب المبرح، ثمَّ أجبروا النساء على الخروج والسير ليلاً مع أطفالهن الصغار، دونَ أن يعرفنَ أين وجهتهن ولا مصيرَ أزواجهن الذينَ تُركوا خلفهنَ للمجهول.

تقول سوزان في هذا: “فصلوا النساء بجهة والرجال ومن ضمنهم جوزي بجهة تانية، وأجبروهم يشلحوا أواعيهم ويضلهم بالملابس الداخلية وصاروا يضربوهم في مشهد ذل وإهانة، وحكوا للنسوان اطلعوا من المكان وما عرفت أضل أستنى جوزي ولا أكمل مع الأولاد ولا احنا كلنا نموت ولا أفقد ولد من الأولاد”.

وتكمل: “أخدت أولادي ومشيت في عز الليل والعتمة وطلعت مشي على الجنوب وأنا كنت حامل ومن وقتها لحتى الآن جوزي ما إلو خبر، سنة و٨ أشهر واحنا مش عارفينه عايش ولا ميت ولا أسير، دورنا عليه كتير وسألنا على الفاضي”.

 وتضيف: “وطريق صلاح الدين عذاب دبابات من حوالينا وجنود بطخوا على أي حد بتلفت، بعد معاناة لما وصلت منطقة الوسطى وصرت أدور على مكان أقعد فيه أنا وولادي رحت على مستشفى شهداء الأقصى وفي راجل الله يجزيه الخير دبرلي خيمة وأكل وشوية أغراض للصغار وبعدها لما تواصلت مع أهلي اجا أخويا وقعد عندي ضلينا طول فترة الحرب هناك”.

 نزحت سوزان مع أطفالها إلى جنوب قطاع غزة، هناك حيث زعمَ الاحتلال أنها مناطق آمنة، لكنَّها كانت أقرب إلى الموت منها إلى النجاة. هناك، عانت سوزان من التعبِ الشديد، إذ كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة، ومسؤولةً عن أطفالها الأربعةَ الصغار، بعدَ أن فُقدَ أثرُ والدهم منذُ عدةِ أشهر. تقول سوزان: “عانينا بالجنوب كنت حامل أنا والتعب بزيد عليا ولا في مصروف ولا أكل أصف في عز الشمس والشوب على التكية عشان أجيب للأولاد أكل تعذبت كتير وتعرضت لمحاولات تحرش وابتزاز بس أنا الحمد لله كنت واعية”.

 وتكمل: “ولما كنت حامل وما كان في متابعات صحية كنت بس هيك متوكلة على رب العالمين لأنه فش مستشفى إلا بدها مصاري وأنا من يوم ما انفقد زوجي حياتي تحت الصفر يعني اللي كان يصحلنا بالعافية نقدر نجيب أكل وشرب”.

 وتضيف: “ولدت ابني الصغير في رمضان وكنت محتاجة حفاظات وحليب ومش قادرة أوفر فأضطر أروح على المؤسسات أجري أجيبله، غير خيمتي كانت عاطلة وممزقة ومرة صار شتا كلنا غرقنا ميا وأواعينا المبلولة علينا وهاد الطفل لسا ما كان صاير شهر”.

 أنجبت سوزان طفلها الصغير في ظروفٍ قاسية؛ هذا الطفلُ الذي وُلدَ دونَ أن يرى وجهَ أبيه أو يعرفه، ثم ضمَّدت جراحها، وأخذت تجوبُ المؤسسات الحقوقية والمجتمعية باحثةً عن زوجها المفقود، وعن لقمةٍ تسدُّ بها جوعَ أطفالها، وعن مأوى يقيهم من حرِّ الصيفِ وبردِ الشتاء، لم تترك سوزان باباً إلا وطرقته، لكنها كانت تعودُ خاليةَ الوفاض دونَ إجابةٍ واضحةٍ عن مصيرِ زوجها، فمنذُ اندلاعِ العدوان، فُقدَ آلافُ الرجالِ دونَ أثرٍ أو خبر، وبقيت نساؤهم معلقاتٍ بَين أملِ العودةِ وخوفِ الفقد.

 تقول سوزان: “لما اجت الهدنة ورجعنا على غزة لقينا الدار رايحة فقعدنا في خيمة ودبرنا أمورنا وأنا يمكن بعد كل اللي شفته ضليتني مكملة الحياة بس عشان ولادي، كنت ببدي ولادي عليا، أنا أموت من الجوع بس أهم إشي أطعمي ولادي، صغار هدول ايش ذنبهم”.

 تكمل والحزن يعتلي محياها: “بضل أفكر بالليل بنامش وعايشة هلقيت بس بستنى أعرف مصير جوزي وحاولنا نرجع للمستشفى ندور على جوزي بس ما لقينا أثر تواصلنا كتير مع الصليب الأحمر ومع المؤسسات مفش جواب ولا في أي أثر إله”.

Other Topics