لبنى، شابة ثلاثينية عملت في سلك التعليم، كانت تسعى دائماً إلى رسمِ صورةٍ أفضلَ لذاتِها وبذلِ كلِّ ما تملكُ من علمٍ نافعٍ لطلابها لكن حل العدوان على المدينة على حينِ غِرَّة وقلبَ حياةَ لبنى راساً على عقب؛ فنزحت قسراً من بيتها، ودُمرت مدرستها، وتشتتَ طلابها، وتبدلَ حالها مع أهلها فأصبحت تعاني من العنف الذي أثر عليها وأدى إلى إصابتها باضطراب التبول اللاإرادي؛ بعدما اضطروا جميعاً للنزوح إلى جنوب القطاع، عبر الحاجز الذي فرضه الاحتلال وفصل به شمال القطاع عن جنوبه.
تقول لبنى في وصف ما حدث: “أنا دارسة تعليم أساسي وكنت معلمة أطفال بداوم في المدرسة وأموري ماشية تمام واجت الحرب، احنا كنا ساكنين على حدود بيت حانون من أول ما بدا القصف جهزنا أغراضنا وحكينا يوم يومين مش حتطول وكان الطيران فوقينا والطخ لعند ما اتصلوا علينا اليهود حكولنا نخلي، نزحنا على مخيم بعدين على الجنوب ومرينا عن الحاجز، وكان أصعب موقف لما مشينا واحنا رافعين الهويات والشهداء تحتينا ومحدش قادر يعمل اشي وأي حد بتلفت بطخوه ودبابات من الناحية اليمين ومن الشمال، وكان معايا بنت أخويا اللي أنا برعاها والبنت مريضة سكر وصار معها غيبوبة في الطريق من التعب وكنت خايفة الجنود يطخوا علينا”.
نتيجة للظروف القاسية التي فرضها العدوان؛ وجدَ والدُ لبنى وأخوها فيها متنفساً لتفريغِ غضبهما؛ فتارةً بالعنفِ الجسدي وتارةً بالعنف اللفظي، إلى جانب حرمانها من حقها في حياة كريمة. تحكي لبنى: “نزحنا على رفح عملنا خيمة وقعدنا فيها وكانت خنقة ودياق لعند ما دخلوا رفح ونزحنا كمان مرة، وهناك بدأت المشاكل مع أهلي مع الخنقة والضيق كنا أربع عائلات في خيمة صاروا يتفششوا فيا أبويا بضربني وأخويا بضربني، مرة مسكني وأكلت قتلة جامدة منه بالعصاية وخبطني على وجهي والأصعب من هيك إنه أبويا لما بشوفه ما بعمله اشي بصير يحكي هو زلمة يعمل اللي بده اياه والمشاكل صارت تزيد كل يوم والتاني وطول اليوم بس قاعدة بالخيمة”.
تفاقمت معاناةُ لبنى مع عائلتها خاصةً بعد حرمانها من حقها في الزواج، إذ يرفضُ والدها كلَّ من يتقدم لها دون سبب واضح. كل ما عانته لبنى من قسوة وحرمان سبب لها ضغوطات نفسية؛ أثرت على جسدها سلباً وأدت لإصابتها باضطراب التبول اللاإرادي، وما تبعه من إحراج وانتهاك في خصوصيتها، خاصةً وهي تعيش في خيمة مشتركة مع عائلتها، ولا يوجد مرفق صحي قريب تستطيع استعماله وقت الحاجة، فالحياة في مخيمات اللجوء تتطلب الاصطفاف في طوابير طويلة للحصول على دقائق قليلة من الخصوصية. تقول لبنى: “أنا كنت خدامة إلهم ومشكلة الزواج كل ما ييجيني حد أبويا يحكي مش مناسب، هيك بدون سبب كل ما ييجي حد يحكي لا، لا بده اياني أتزوج وحد تاني يتحمل مسؤوليتي ولا هو موفر لنا حياة منيحة، بس على الطلعة والنزلة غلط وإذا تكلمت ولا حكيت باكل قتلة، عشان هيك أنا بدي أطلع من عندهم بأي شكل من الأشكال بكفي شفت عنف شفت جوع شفت مشاكل شفت كل اشي صعب ومش منيح، أبويا في حياته عمره ما حسسني إنه أب”.
وتكمل: “الضغط اللي بتعرض إلو بشكل مستمر أدى لضغوطات نفسية ولمشكلة التبول اللاإرادي صارلي سنة ونص، كل ما بنضرب من أبويا او بصير مشاكل بصير معي هيك وحكولي بدك علاج ومتابعة بس هو لا بعطينا مصروف نروح نتعالج ولا بوفر لنا علاج وأنا كتير بخجل من حالي لوين وصلت وفش خصوصية باستخدام الحمام فبكون محرجة قدام النسوان”.
تعيشُ لبنى حالةً من الصراع الدائم؛ إذ لا عائلةً تنصفُها، ولا وظيفةً تسندُ حالها، ولا قانوناً يعيدُ لها حقوقها المسلوبة، صراعاً أوصلها للتفكير في الانتحار؛ هرباً من واقعٍ غدت فيهِ كلُّ خطوةٍ نحو الأمان أثقلَ من سابقتها.
تقول لبنى: “دايما عندي صداع من التعب والتفكير ومن الجوع وبجيني أوقات بفكر بالانتحار وزادت مع الأوضاع هاي إني لو عملتها برتاح من الدنيا هاي كلها، مبديش حد وأمي لما تشوفني بتحكيلي عادي تحملي هيني كنت زي هيك، خلص خليكي ساكتة بدناش مشاكل كل النسوان بنضربوا”.