نوفمبر 30, 2025
لا بيت سوى البيت: صرخة مكتومة خلف ستارة المأوى
لا بيت سوى البيت: صرخة مكتومة خلف ستارة المأوى

لنتخيّل مهد الطفولة أمسى مهدّدًا بالخراب، وصفوف المدرسة غدت ملاجئ تضم عشرات النازحين بدلًا من أصوات الطالبات والطلاب المليئة بالحيوية والذكاء، وأفراد العائلة أصبحوا مصدرًا للخطر والعنف بدلًا من العطف والعناية. لا داعٍ للخيال، فمنذ بداية عدوان السابع من أكتوبر 2023 وهذا واقع حال الكثير من الفتيات والصبايا اللواتي نجون ربما من الموت، لكن فقدن الإحساس بالأمان وبالحياة برغم استمرارهن بالتنفّس.

ليان إحدى هذه الطفلات التي تبدّلت أوقات طفولتها بالتشتت وذكريات بيتها بذكرى حادثةٍ مفجعة. في سن الثالثة عشرة من العمر، وجدت نفسها تنزح أكثر من مرّة مع عائلتها، حيث عاشت في إحدى محطات النزوح داخل إحدى المدارس، في صفٍّ واحدٍ يجمع عائلتها وعائلة عمّها، بحيث لا يفصل بين العائلتين سوى ستارة لا تؤمّن أيّة خصوصية أو عُزلة.

تروي ليان الحادثة بصوتٍ خائف يكاد يكون همسًا، “كنت بالحمام، ولما خلّصت وبدي أطلع، لقيت الباب مقفول عليّا. نط ابن عمي من فوق الحيطة، شلّحني البنطلون، ونيّمني على الكرسي ووجهي للأرض. حط جسمه على جسمي، وربط تمّي وإيديا بحبل، وحط السكينة على رقبتي وبطني. عمل من ورا، وشوية من قدام.. صرت أصرخ، وصوتي راح من الخوف”. سيطر الرعب على قلب ليان، فلم تجرؤ على إخبار أحد “خفت أحكي، مسحت دموعي بسرعة بلاش حد يعرف”.

حاول ابن عمها التعرّض لها مرة أخرى، كما تروي ليان “كنت نازلة على الدرج، لحقني وطلّع السكينة، وقال: إذا بتحكي لحد، بدي أبطّك (أطعنك) وألعنك وألعن أهلك. بس شاف حد نازل، فشرد”.

لم تفارق الحادثتان ذهن ليان، وانعكس أثرهما على تصرّفاتها. حين لاحظت والدتها تغيرًا في سلوكها، ظنّت أنّه بسبب ظروف النزوح والعدوان، ولم يخطر ببالها أبدًا أن تكون طفلتها قد تعرّضت لاعتداءٍ كهذا. تقول الأم “كانت دايمًا خايفة وسرحانة وحزينة وحاطة إيدها على خدها، بتضل تنام جمبي وبترضاش تنزل بالمرة. كان ظاهر عليها أعراض خوف كتير. قد ما بحكي معها بتردش غير بكلمتين على قد الغرض. كنت بفكر من الضغط اللي بنمرّ فيه وعشان لبسها وأكلها مش زي البنات”.

لكن ساورها الشك عندما لاحظت مختصّات ومختصّون بالإرشاد النفسي عدم انخراط ليان في النشاطات الخاصة بالأطفال “كان في مؤسسة جاية لإرشاد نفسي، شافوا بنتي بتتحركش وبتلعبش فأجوا يسألوني عنها”، وما زاد من قلق الأم هو انقطاع الدورة الشهرية عن ليان لثلاثة أشهر “سألتها إذا حد عمللها إشي، بدها تحكي بس مترددة. طلّعت إخوتها وقعدت لحالي معها، فحكتلي اللي صار”. تكمل الأم بأسى وصدمة “لما سمعتها قلت صار إشي ببنتي، ضليت قاعدة على أعصابي للصبح. تطمّنت على وضعها والحمدلله كانت بخير، كنت خايفة يكون في حمل بس ربنا لطف فينا”.

تخشى والدة ليان أن يعلم أحد بما حدث لاعتقادها بأنّ العواقب ستكون وخيمة؛ من جهة تخاف من ردّة فعل والد ليان “والدها كتير عصبي وبيضرب وبيبهدل. لو عرف بيقتلها.. هيصير ملاحم!” ومن جهة أخرى، يقلقها أن يصير الأمر مُبررًا للزواج “مفكّرتش أحكي لأهله لأنه بديش عمّها ياخدها فرصة ويفكّر يخطبها لابنه. حتى لو القدر كاتبه من نصيبها مش هعطيها إياه”.

تتذكر ابنتها قبل حادثة الاعتداء، وتكاد لا تصدق ما آل إليه حالها “كانت قوية، شخصيتها حلوة، كانت تساعد الناس وما تخلّيش حد يجي على طرفها. عمره ما خطرلي إنه بنتي يصير فيها هيك”.

اليوم، صارت ليان ترى في كلّ صبيًّ خطرًا، حتى أنّ الأمر انعكس في تعاملها مع إخوتها الذكور، تشرح والدتها “صارت تشوف إنّه كُل الأولاد بدهم يعتدوا عليها وتعصّب على إخوتها، بدها تنتقم”. كما تعلق ليان على هذا الجانب “بخاف لما أشوفه يعمل فيا إشي تاني. نفسي أرجع زي قبل، كنت إذا حد ضربني أو غلط عليا آخد منه حقي”.

لكن رغم كُلّ ما مرّت به ليان، ما زالت تحمل الطفلة في داخلها. تريد بيتًا مثل بيتها، وسريرًا يخصّها، وعرائس صغيرة ملوّنة “لو رجعت على الدار أوّل إشي بدّي أعمله إني أشوف ألعابي. مشتاقة ألعب، مشتاقة لكل شي بالدار، باخد راحتي فيها أكتر”. تشير ليان بكلماتها الطفولية وبطريقة غير مباشرة، إلى سبب أساسي وراء حادثة الاعتداء، كما تقول “قبل الحرب كنّا عايشين بعمارة العيلة، بس مكنش ابن عمي يعمل حاجة. بس بالنزوح صار هيك”. وهو الأمر الذي تؤكّده والدتها بقولها “لو رجعنا استقرينا ببيت مش هينعاد الحدث تاني”.

ساهم العدوان والنزوح واكتظاظ مراكز الإيواء في انتشار حالات الاعتداء الجنسي خلال الشهور العشرين المنصرمة؛ فلا قواعد ولا قوانين تحمي النساء والفتيات ولا خصوصية يُمكن أن تُستجدى من وراء ستارة أو خيمة. الأمر الذي يتطلب وقفة تجاه مثل هذه الحوادث والمباشرة في خطط إعادة الإعمار وإشراك النساء بتفاصيلها، فلا يعرف حاجة النساء إلا هن، لضمان حصولهن على ما يحتجنه من متطلبات الاستقرار والخصوصية.

 

توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.

“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”

Other Topics