عاشت ملك حياتها تحلم باليوم الذي ستصبح فيه أمًا وتكوّن أسرة بطريقتها، تحتضن أطفالها وتشبعهم بحنانها بعيدًا عن العنف الذي رأته في بيت والدها. لكن العدوان الإسرائيلي كان أسرع منها وسلبها ساقها. تجلس ملك لتروي قصتها: قصة فتاة في مقتبل العمر تحولت حياتها في لحظة وبسبب قذيفة، إلى كابوس. تقول ملك بصوت مخنوق وهي تنظر لساقها المبتورة “حاسة إنه حلمي راح، وحياتي راحت”.
بعد الإصابة، وأثناء تلقيها العلاج، حوصرت في المستشفى برفقة والدتها لمدة شهرين من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي وسط ظروف قاهرة “شهرين شفنا الموت فيهم، ممنوع الحكي، ممنوع الحركة، طخ على الحيطان، الأكل مقطوع، حتى الميا كنا نشتهيها. كل ما يقولوا الجيش دخل ضغطي يعلى وحالتي تتدهور”. لم تكن تعلم ملك آنذاك أن والدها يستغل إصابتها وقد حولها إلى مصدر دخل له، بينما هي تواجه الموت. تقول ملك “في فترة الحصار كان أبويا مسجل اسمي للمساعدات ومستلم عني مبالغ مالية ومساعدات بدون ما يقول، كان يطلعلي كتير بس ما أعطانيش منهم اشي”. استمر الحال على ما هو عليه دون أن تستفيد ملك وهي صاحبة الشأن وأكثر من يعاني، حتى صار شغل والدها الشاغل هو كيفية تحصيل وجمع الأموال على حساب إصابة ابنته، وكل ذلك في سبيل شرهه للتدخين “بيصرف كل فلوسه وفلوسي اللي بتطلعلي وبيتداين عشان الدخان. مستعد يسيبنا جعانين مقابل إنه يدخن”.
تعيش ملك في ظروف معيشية ونفسية صعبة، خصوصًا في ظل حالتها الصحية التي تحتاج لكثير من الرعاية، لكنها مع ذلك لا تقدر على أن توفر لنفسها أقل القليل من الاحتياجات الأساسية “لما أطلب اشي الي ما بيرضى يجيبلي، لو قلتله بدي ٥ شيكل بس، يحكيلي: انت تبعت أكل، فش الك مصاري!”. وتضيف “عايشين على التكيات، أما هو ما بيصرف علينا إشي”. تصدر منه هذه التصرفات اللامسؤولة على الرغم من وجود راتب شهري منتظم له. وفي ظل حاجة ملك الشديدة، إلا أنها لا تطمع بالكثير، تقول “بحكيله يصرف راتبه على حاله، ويخلي المساعدات اللي بتطلعلي أصرف منها عليا وعلى إمي وإخوتي، مش طمّاعين احنا!”. وتبقى الخيارات والمطالبات كلها تُقابل بالرفض ويبقى والدها هو المتحكم الوحيد.
يأتي هذا التحكم في كل تحركاتها ليكون في آخر المطاف هو المسؤول الوحيد عن المساعدات الخاصة بملك “لو بدي أطلع بيكون ملازمني بكل خطوة، حتى لما بدي أقعد مع حد لازم يكون قاعد معانا”. ونتيجةً لملازمته لها فهي لا تستطيع استلام ما يخصها بعيدًا عن ناظريه، فكل المساعدات تمر من خلاله “لما يطلع كابونات ببيعها بدون ما نعرف، لأنه كلشي رابطه بجواله”، حيث يستغل وضعها الصحي ليتمكن من الاستلام بدلًا منها، بحجة أنها مصابة ولا تستطيع المشي وأنه الولي عليها.
تقول ملك في كلمات تجمع المتناقضات “أبويا هو المستفيد من إصابتي”، فكيف يمكن لأب وهو السند أن تتحول أبوته إلى استغلال وأن تتحول إصابة ابنته إلى مصدر ربح؟ روت ملك قصتها لتكون شهادة على وجع لا يعرف الحدود.