خولة، ابنة مخيم جباليا في شمال قطاع غزّة، حيث الجدران التي شهدت على طفولتها، وحيث الأزقة التي علَّمتها معنى الانتماء والذاكرة. لاجئة، ورثت صفة اللجوء عن والدها، ونازحة، تعيش الآن في منطقةٍ مكتظَّة بخيام النازحين جنوبَ مدينة غزة، مثقلةً بوجع الفقد وقسوة النزوح.
تحاول خولة أن تُخفي ارتجافَ يديها، لكنها لم تستطع أن تخفي ألمها وهي تسرد كيف أُجبرت على النزوح من مكانٍ إلى آخر، ومن شارعٍ إلى شارع، حتى انتهى بها المطاف في خيمة مهترئة لا تقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف: “أنا عانيت، عانيت كتير في هذه الحرب. قبل الحرب كانت حياتي المادية سيئة جداً وزادت سوء في الحرب بعد ما بيتي راح وما ضل عندي حاجة إلا زوجي وأولادي”.
منذ بدء عدوان السابع من أكتوبر 2023، وجدت خولة بيتها في مرمى النار، لكنّها نجت مع عائلتها بأعجوبة، حيث تروي ما عاشته: “كنت ساكنة في مخيم جباليا ومن أول الحرب قصفوا البيت علينا وطلعنا متصاوبين وأسعفونا، وبعدها توغّل الجيش (الإسرائيلي) في المنطقة وطلعنا على مركز إيواء في منطقة قريبة”. وتكمل: “قعدنا يومين في المدرسة وبعدها فجأة توغّل الجيش بالدبابات وطوّقوا المدرسة واعتقلوا الشباب، وخلّونا إحنا النساء لحالنا. وبعد فترة طلّعونا والحمد لله جوزي بعد بيوم طلع وتحركنا معه على مركز إيواء في مدينة غزة، وهناك جوزي حفي يدور على مياه نحطّها في تمنا ما لقى والأولاد تعبانين وصارت الأوضاع أخطر، القذائف تنزل علينا والناس استشهدت قدامنا صرنا نجري بدنا نطلع من المنطقة”.
لم تنعم خولة بليلةٍ هادئةٍ واحدة منذ ما يقارب السنتين، فمع اشتداد العدوان وتفاقمِ سوء الأوضاع المعيشية، نزحت وعائلتها من شمال القطاع إلى جنوبه حيث ادّعى الاحتلال الإسرائيلي وجود مناطق إنسانية آمنة، والتي كانت بعيدة كل البعد عن كل ما هو إنساني. وهناك واجهت خولة وعائلتها حلقةً جديدة من التجويع، وظروفًا معيشيةً أصعب. تقول: “عشنا المجاعة، أكلنا العلف والشعير، وأولادي كانوا عايشين على الليمون، وجوزي كان يلف الدنيا ويروح عند مناطق المساعدات عشان يحاول يجيب، وبعدها ما تحملنا الجوع ونزحنا على الجنوب على رفح، صار توغّل رفح، رحنا على خانيونس وهناك بدأت مجاعة تانية في الجنوب وما نابنا إلا نزوحنا من الشمال للجنوب”.
وإلى جانب التجويع، وانعدام الخصوصية التام داخل المخيّم، شهدت خولة وعائلتها قسوة الشتاء ولهب الصيف داخل الخيمة. “(كنّا) في الشتا بنغرق، ومياه المجاري بتطفح على الفراش والحرامات وبضل حاضنة أولادي في زاوية الخيمة والمطر بينزل علينا من فوقنا لتحتنا وفي الصيف ما نتحمل الشوب. وصرت أنا أروح على التكية وأوقف أبيع في أي حاجة بتصح لي عشان أدبر لقمة أولادي”.
نزوحٌ يتلوهُ نزوح، ومعاناةُ تتفاقم، حتى أُعلن عن اتفاقٍ مؤقتٍ لوقفِ إطلاقِ النار، وسُمح للعائلات النازحة بالعودة لشمال القطاع بعدَ انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من منطقة حاجز نيتساريم، التي فصل بها شمال القطاع عن جنوبه.
عادت حينها خولة وعائلتها إلى جباليا ليصطدموا بواقعٍ جديد ودمارٍ غيرِ مسبوق طالَ البنايات السكنية والبنية التحتية، ومع ذلك لجأوا إلى ما تبقّى من منزلهم، وحاولوا أن يجعلوا من سطحه المهدوم حياةً أُخرى لهم.
تحكي خولة عن عودتهم: “بعد الهدنة رجعنا.. لقينا باقي دارنا رايحة فقرّرنا نحط شادر ونزبّط زي خيمة على سطح البيت المهدوم. صار السطح كأنه أرضية وعشنا عليه، والأوضاع في الشمال كانت صعبة جدًا، كنّا مقطوعين من المياه الحلوة والمالحة، والصرف الصحي كان متدمر”. وتضيف: “بس بدنا نعيش وندبر لقمتنا، صرنا نحاول هان وهان وجوزي فكّر نعمل مشروع زراعة منه بناكل ومنه بنبيع، جبنا تربة وبذور وزرعنا خضار على نص السطح اللي ضايل وصرنا أنا وجوزي نهتم وفيه ونسقيه وإيش ما يطلع منه ناكل ونبيع”.
على أنقاض بيتها، تشبثت خولة بخيطٍ رقيقٍ من الحياة، وحاولت أن تعيش من خلال نباتٍ نما من بين الركام، زرعت فيه الصبر كما زرعت البذور، لكن زرعها لم يحن موسم حصاده، إذ اضطرت وعائلتها للنزوح مرةً أخرى، لتتجدّد بذلك حالة التشتت وعدم الاستقرار. كانت هذه المرة وقعها أشد، إذ فقدت زوجها الذي استشهد أثناءَ سعيه لتأمينِ لقمةٍ تسدُّ جوعَ أطفالهم. “رجعنا عشنا في خيمة ورجع زوجي يروح على المساعدات عشان نطعمي الأولاد، كان دايمًا يحكي لي بدّه يروح يشوف الزراعة وإيش صار في الدار، أقول له تروحش الدنيا خطر، بس ما سمع كلامي عشان خاطر ابني لما راح لأبوه يحكي له يابا ميت من الجوع، خاطر بحاله وراح على جباليا”، تحكي خولة ودموع الفقد تسيل على وجنتيها: “راح وانقطعت أخباره أسبوعين، راح وما رجع وما عرفت عنه إشي.. بعدها بيجيني خبر إنه جوزي مستشهد قبل ما يوصل الدار ويشوفها”.
في عشيةٍ وضحاها، أصبحت خولة أرملةً تحملُ على عاتقها مسؤوليةً كبرى، فلم يترك لها العدوان الإسرائيلي لا بيتًا ولا زوجًا، حالها حالُ الآلافِ من النساء اللواتي فقدنَ مسكنهن وأفراد عائلاتهن. تختتم خولة قصّتها وهي تذكّر من بين الكلمات بأنّ عودة الحياة والكرامة والأمان تبدأ من إعادة الإعمار: “راح عشان يجيب أكل لأولاده، طلع جوعان وما رجع، أكثر من مرة يخاطر بحاله عشان يدبر لقمة للأولاد ما كان يهون عليه يشوف حال أولاده هيك، وهيني هلقيت قاعدة لحالي في نتفة مقطوعة مش عارفة كيف أدبر أموري وكيف أعيّش ولادي وأصرف عليهم وأنا ما إلي دار ولا مكان. أنا من حقي أرتاح وأستقر في بيت”.
توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.
“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”