من تحت الركام، خرجت سمية وأبنائها أحياء، ليبدأ فصل جديد من حكاية مأساة ممتدة منذ زواج سمية، لكن هذه المرة لم تكن معاناتها باعتبارها زوجة معنفة ومحرومة من أبسط حقوقها، وإنما كأرملة شهيد، تعبر سمية بمرارة “بحياة زوجي ذل وبمماته ذل”.
“المنطقة كانت تخوف وفش فيها حد بس جوزي خلانا بالدار، قال: لو تموتوا أو تنهد الدار عليكم بدكم تضلوا. ومحدش فينا كان يستجري يحكيله بدنا نطلع”. وهو ما حدث، قُصف البيت وانهال فوق رؤوسهم. استشهد الزوج وخرجت سمية وأبنائها من بين الأنقاض، جرحى وبلا مأوى.
نزحت سمية من بيت إلى بيت تبحث عن أمان واحتواء، تخلى عنها الجميع، وتُركت إلى مصيرها وحدها مع أطفالها في البرد والعراء، لا تعرف لمن تلجأ “بعد ما انقصفنا رحنا عند أخت جوزي واحنا متصاوبين وبعز البرد، ما حطتلنا فراش ولا قالتلنا ايش تاكلوا. حكولنا بدهم يطلعوا من البيت، خلوني أطلع وهما ضلهم. بعدها رحت عند عمتي، وأخويا، وعمي، حتى عند بنتي دار حماها وقفولنا. وين ما كان تسميع الكلام ونطلع بدموع ووجع”. حتى عندما حاولت نصب خيمة فوق ركام بيت العائلة المقصوف، رفض والد زوجها.
كان زوجها مدينًا بمبلغ من المال لعائلته، وبعد وفاته، حمّلوا سمية مسؤولية سداد الدين بعدما صادروا كل شيء يخص زوجها. تقول سمية “أبوه مش راضي يعطيني أنا وولادي حقوقنا، ولا يخلينا نسجل بأي اشي حتى للأضرار. أخوه أخد هوية جوزي وبطاقة الڤيزا والجوال، خايفين أقبض من الراتب وما أعطيهم”، حتى مقتنيات زوجها الشخصية لم تسلم من أيديهم “أي حاجة لقاها حمايا من ورا جوزي أخدها وباعها بدون ما يعطينا اشي”.
لم يكتف أهل زوجها بما فعلوا. طالبوها بأي معونة أو مساعدات تأتيها “بدهم مصاري، حتى لو طلعتلي كابونة بدهم إياها”. اتهموها بسرقة ذهب بناتها وحاولوها التشهير بها، تقول سمية “حمايا حلف: عليا الطلاق هخلي بناتك كلهم يتطلقوا. جوزي كان ماخد دهبهم، فراح حمايا لأزواج بناتي يحكيلهم الدهب مع أمهم وبتصرف منه وكذابة، بس ما صدقوه لأنهم عارفينه مدمن”. وكذلك والدة زوجها اتهمتها بسرقة حقيبة أموال خاصة بزوج سمية، تستنكر سمية ادعائها، فكيف يعقل أن يكون له هذا القدر من المال وهو مدين، كما تروي “حماتي بتقول ابنها حاكيلها معاه شنطة مصاري، وبعتت لأخويا تقله أختك سرقت المصاري. طب هو لو كان معاه مصاري فعلًا، ليش عليه ديون؟”
لم تسلم سمية من شر أحد منهم، كأنهم تواطؤوا جميعًا على تحميلها ذنبًا لم ترتكبه “جوزي كاتب بدفتر كل الديون اللي عليه، بس أخته بتطالبني بمبلغ زيادة عن المكتوب”.
لم ينته الأمر عند هذا الحد من الاتهامات الباطلة والمطالبات التي تفوق قدرتها، بل زاد والد زوجها وأخذ في تهديدها بتشويه سمعتها، تقول سمية بحرقة “بيهددني يجي على المدرسة اللي أنا نازحة فيها ويحكي كلام وسخ ويشوه سمعتي، بيحكيلي: والله لأخلي كل الناس تشوه سمعتك وتتف بوجهك”. حتى أبنائها ينبذونهم ويعاملونهم بأبشع الأساليب “كتير تهجموا على ابني. حمايا بعتلي ممنوع أدخل عندهم وطرد ولادي، بيحكيلنا: والله غير أحرمكم”.
تشعر سمية أنها وحدها دون سند ولا نصير، وأخوها الذي كانت تأمل أن تجد فيه عونًا لها، طردها واتهمها زورًا وشهّر بها “اتهمني إني سارقة محفظته، حلفت يمين 3 مرات إني ما بعرف اشي عنها. لما انقصفت الدار وطلعوني من تحت الركام، شفت جوزي حالته خطيرة وشب مقطوع راسه، بهادي اللحظة معطييني محفظة مليانة مصاري لأخويا بس أنا مكنتش بوعيي، بعرفش ايش صار فيه وإذا حد أخده مني ولا وقع” وتعلق على تصرفه “طلع عليا سمعة بكل مكان لدرجة الناس بيجوا يحكولي ليش ماخدة محفظة أخوكي!”. لم يصدقها أخوها رغم كل محاولاتها، وعندما طرقت المجاعة الأبواب، منعها من مؤونتها “كنت حاطة أكل إلي عند أمي، رحت أخده، أخويا مرضيش وطردني”.
حاولت سمية أن تتماسك طوال حديثها، لكن عندما بدأت بالحديث عن معاناتها مع ولديها انهارت. تروي “ابني بعد ما استشهد أبوه، صار يحكي كلام وسخ ويكفر ويضرب خواته، يحط رجله على راس أخته ويخبطها براسها. مرة طلعت رجعت لقيته طاقق العمود الفقري لأخته وبطلت قادرة تصلي، رايح لأخته التانية وطقلها عضمة كتفها. بأجي أضربه بيزقني. بيقلي يا مجنونة”، تجهش سمية بالبكاء على ما وصل إليه حالهم وتعلق “كل هادا عشان بده أكل. صار يروح لسته ينقللها كل اشي بيصير عشان تعطيه مصاري وأكل”.
وأما عن ولدها الثاني، فهو مريض ويحتاج لفحوصات لا تستطيع إجرائها له “بيتشنج وبغمى عليه، بيحكولي حالة نفسية. طلبوا مني فحص بس بده مصاري مش قادرة أعمله إياه والولد ضل على حالته”.
تحدق سمية في الفراغ وتتأمل كل ما يجري معها وتقول “ايش أحكي لما أحكي؟”، فكل ما حولها ينهار وكل من حولها يتنصل، وتبقى هي مع الخذلان.