حين تزوّجت سحر الشخص الذي اعتقدت أنّه سيكون شريك حياةٍ كريمة ووالدًا للأبناء الذين حلمت بإنجابهم، لم تكن تعلم أنّ الحياة رمت في وجهها شخصًا لن تعرف معه الكرامة ولا الأمان، حيث صُدمت بكونه مُدمنًا ومُعنّفًا، وسارقًا، وغير متّزنٍ نفسيًا.
مرّت السنوات وأنجبت الأبناء واحدًا تلو الآخر، لكن، وبالرغم من كُلّ ما عانته، لم يكن الطلاق خيارًا قائمًا، فأهلها لم يكونوا لها عونًا وظهيرًا. واضطرت سحر للاستمرار في زواجها رغم شعورها المتزايد بأنّها منبوذةٌ من المجتمع ككُل بسبب سرقة زوجها، كما تصفه “معلّم على الجيران، إخواتي وأهلي، المحيط كله عارفه مين هو”.
مع بداية العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023 والنزوح القسري لسكّان مدينة غزّة وشمالها نحو مدن ومناطق الجنوب، لم تجد سحر من يستقبلها بسببه: “أهلي حكوا لي إذا هتجيبيه معك مش هنستقبلك. وهادا اللي صار، طلعت لحالي، بس لحقني، وما استقبلوني”. لجأت إلى أختها لكنّها لاقت الردّ نفسه من أهل زوج أختها: “حماتها حكت لي بقدرش أستقبلك، شوفي لك مكان تاني”.
صُدمت سحر بتصرّف من حولها وهي نازحة من اقتراب الموت وهول القصف، لكنها تدرك أن من أوصلها لهذا الحال هو زوجها وتصرفاته. وهكذا اضطرت سحر للنزوج مرارًا وتكرارًا، وفي كُلّ مرّةٍ كانت تلملم أذيال الخيبة والفضيحة التي يسببها زوجها، من مدرسةٍ إلى خيمةٍ إلى أخرى وأخرى. امتهن السرقة للحد الذي جعل الناس يصبون غضبهم على سحر وأولادها، حيث تروي “سرق دهب ست من عيلة معروفة، إجوا حاوطوا الخيمة وتعرّضوا لي وللأولاد، وممنوع أطلع وأنزل، بعدها أخدوا الخيمة وأي إشي بينباع فيها”. وحين طلبت العون من أهلها، تخلّوا عنها مرّة أخرى: “بعتت لأهلي ياخدوني، حكوا لي: بنتدّخلش”.
لجأت سحر إلى مخيّم آخر وتبرع لها البعض بما تبني به خيمة، لكن زوجها لا يكلّ ولا يملّ رغم ما حدث “زوجي ما استكفى وصار يسرق جوالات، إدارة المخيم صارت تدخلني بتحقيق أنا وأولادي بسببه”، وتروي حادثةّ أخرى “وقّعني مع ناس وغلط معهم بالشرف. مسكوا أولادي وطخّوا جنب ودانهم، وبعتوا لي نسوان يضربوني، ومثل أربعين زلمة مسحوا الخيمة بالأرض ومزعوا لي كل أغراضي. فش حاجة بالخيمة قدرت أطلع فيها”. تعلّق سحر بيأس: “كّل مرّة ألملم حالي من الصفر ويرجّعني تاني لنقطة الصفر”.
حتى عائلة الزوج تخلّت عنه لكثرة ما يسببه من مشاكل، وألقوا بالحمل كاملًا على كتف سحر، تقول: “أنا مش قادرة على مشاكله، معي ضغط (دم) وبنتي مريضة وبدها مصروف. بدي أتحمل مسؤولية أولادي ومعاناة النزوح والعدوان ولا مشاكله!” حاولت سحر الاستقرار مع أطفالها في مُخيم آخر بعيدًا عنه، لكنّه لم يتركها وشأنها: “صار يجي ويسرق أغراض ويخبيها عندي بالخيمة”. ولا يكتفي بهذا القدر من المعاناة التي يذيقها لسحر، بل علّم أولاده السرقة “مجرد ما أغيب عن الخيمة بيخلّي أولادي يسرقوا”.
يسرق وينهب الناس، ويصرف المال على المخدرات، وحين لا تتوفّر له يصبّ غضبه على زوجته وأبنائه “لما ما بيلاقي اللي بيتعاطاه بيتعرّض لي بالضرب أنا وأولادي. بيضل يحكي لنا إنه ما بيحبنا وبدهوش إيانا. بيحكي: بتمنى تختفيوا من حياتي. ورغم هيك بيضل يجي عندي لمّا يلاقي أهله ما بدهم إياه أو مرفوض من المنطقة اللي بده يروح عليها”.
وأمام غلاء المعيشة في زمن العدوان وانعدام شعور زوجها بالمسؤولية، وجدت سحر نفسها مضطرّةّ للعمل، علّها تستطيع توفير ما يسدّ رمق أطفالها وما تحتاجه طفلتها من علاج. بدأت سحر في تحضير وبيع “الدّقة”، وهي صنف طعام منزلي تشتهر به غزّة، تُشابه طريقة عملها وبُنيتها الزعتر، لكنّا تُصنع من مكوّنات أخرى ولونها أحمر، لكن سرعان ما تواجدت في السوق، بدأ الرجال الغرباء بالتعرّض لها، تروي: “صرت أتعرّض لاستغلال مش طبيعي. اللي يجي يحسّس على إيدي.. أو يحكي لي بشتري منك كُل الكمية بس تيجي معي.. بعطي لك غرفة بكل مستلزماتها أو بفتح لك مشروع بس تعالي”.
رفضت سحر كُلّ المحاولات رفضًا قاطعًا، حيث كانت واعيةً لما يحدث، لكنّ يؤلمها أنّ كّلّ ما يصيبها هو بسبب زوجها وسلوكه وحالته، حيث تقول: “اللي كان يخلّي الناس تتجرأ في محاولاتهم بالتحرش والاستغلال إنهم شايفينه، بيوقف فش توازن وعيونه حُمر. صرت فريسة سهلة إلهم”. ومن الجهة الأخرى، يستغلّ الزوج الأمر لتعنيفها بشكلٍ علني، حيث تروي عن حادثة أخرى: “كنا بدنا ننام أنا وأولادي وناسية أسكّر شبّاك الخيمة، إجى وصار يحكي: كُلّ المخيم بيجي عندك وكلّهم نفسهم فيك، الله أعلم لما أطلع إيش بتعملي”. تعلّق سحر على تصرفه “عشان شباك نسيته صار يحكي بالشرف قدام كُلّ المخيم، خلّاني ضحية لأي واحد يجي يتسلى فيا!”
وفي ذات الوقت الذي ينبذها الأقارب والمجتمع فيه بسبب زوجها، يعتبر الناس بقاءها معه قبولًا بأفعاله. تقول “الناس بيعتبروا إنه ما دامك ضايلة معه يعني راضية عن اللي بيعمله”. لكنّ نفس الناس لن يستعدّوا لدعمها مع أولادها إن تركته: “فكرت بالطلاق بس وين أروح؟ أهلي بيحكولي: بنتحمّلش أولادك”.
“بيتي لو كان ضايل كان الموضوع أهون، محدّش كان عارف كيف عايشين، بس بالخيمة إحنا مفضوحين، فش حاجة بتصير إلا الكُل بيعرف فيها. ما ضل إلي أي مساحة في المجتمع.. صفر!” وهكذا، قرّرت سحر أن تسافر لتعالج طفلتها إن أتيحت لها الفرصة، وأن لا تعود، فلا شيء يربطها في المكان سوى الفضائح والإهانات، لا بيت يؤويها ولا أهل تحتمي بهم، وتفصح في كلامها عن مطلبها الوحيد “أنا بدي ضهر، مكان نرتاح فيه أنا وأولادي ونلاقي أمان”.
لكنّها رغم كّل ما لاقته تؤكد على أنّ إعادة الإعمار ستؤمّن لها ما تحتاجه من خصوصية، فهي تعيش حياة صعبة منذ أعوام، لكن العدوان الإسرائيلي وحياة المخيمات وفقدانها للمسكن الخاص جعلوا الوضع كارثيًا بشكلٍ لا يُحتمل، كما تختم حديثها “كان ساترني البيت، لو في إعادة إعمار بعالج بنتي وبرجع تاني. أما بالمخيم كُل مشكلة بننفضح!”
توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.
“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”