في طابورٍ طويل، تنتظر (حنان 42 عاما) دورها على فرن الطينة لتصنع الخبز لوالدتها المسنة وشقيقتها المريضة التي تقوم على خدمتهما، تبدو متعبة من الوقوف الطويل، شيءٌ في جسدها يؤلمها، تشُد بأصابعها على يديها لكي تحتمل الألم، الفرن يقدم خدمة الخبز مجاناً، التي بلا مصدر دخل ولا معيل مجبورة على الانتظار، لتظفر ببعض الخبز، وتعود لخيمتها مطمئنة بعد أن أمنت طعام اليوم، حتى وإن كان خبزاً حاف!
بصوت تخنقه الدموع، تحاول (حنان) أن تبدو قوية، على الرغم من ثقل الكلمات على فمها المعوج وقالت: “اتطلقت من 12 سنة طلاق غيابي وتزوج مره ثانية وسافر على بلجيكا وعذابي كبير حتى اليوم لأنه أخذ أولادي وحرمني منهم”، وتقول: “عشت حياة كلها ضرب وعنف لكن لسا آثار الضرب معلمة على كل مكان في جسمي، أصعب مرة ضربني فيها غيبت وفقدت وعيي يوم اللي كسر لي فكي، لدرجة أنو أهلي ما شافوا معالم وجهي من كتر الضرب، وهو صار يتهابل عالناس ويقول إني ملبوسة جن، ولولا إيماني بالله والخوف من عقابه كنت انتحرت”.
تشكو حنان من العنف المستمر وتقول: “انا ماشفتش يوم زي الخلق في حياتي، أبوي جوزني ومات، هربت من الضرب والذل من عند جوزي، للعنف والضرب من أخوتي الشباب، حتى في عز الحرب والقصف والموت أخوي ضربني وطردني أنا وإمي وأختي، وطلب منا حق الأكل اللي أكلناه بعد ما نزحنا من مخيم جباليا عنده على المدرسة، كان الأكل والشرب مقطوع، مقدرش يتحملنا، وطردنا”.
اجتمعت قسوة الحياة على حنان، وبعد ظلم شقيقها عاشت خوف الموت وذل النزوح، تضيف: “رحنا على مدرسة جنب مجمع أنصار غرب غزة، بعدها حاصرونا اليهود بالدبابات وطلعونا للجنوب بالأواعي اللي علينا، مشينا ساعات من غزة لدير البلح، القذائف من حوالينا والطيارات فوقينا، الجثث كانت على طول الطريق أشلاء وهياكل عظمية، مش عارفين كيف وصلنا وكيف ضلينا عايشين”.
بعد محاولات كثيرة فاشلة للبحث عن فرصة عمل، تعيش اليوم (حنان) في خيمة صغيرة، داخل مخيم للنازحين بالقرب من شاطئ مدينة دير البلح، بلا سند ولا معيل ولا حتى مصدر دخل، وتصف حياتها اليومية: ” باصحى
بدري عشان ألحق طابور تعباية المية، وبرجع أوقف على طابور الخبز، وبستنى الأكل اللي بيوزعوه على النازحين من التكية، وبعدين بأروح أدوّر على العلاج من النقاط الطبية المجانية عشان وجع فكي وقدمي اللي فيها تجمع دموي من كثر الضرب اللي تعرضت له في حياتي”.
تتمنى (حنان) أن تجد مصدر دخل تستطيع أن تعيل به والدتها وشقيقتها، وقبلهم تعيل به نفسها فلا تحتاج للمساعدة من أحد، تقول: “أنا بمشي بالشارع مفيش في جيبتي شيكل، بحس حالي ماليش أي قيمة في الدنيا، أولادي مش عندي، نفسي أعمل العملية لفكي عشان أتخلص من كل هاد الوجع”.