أغسطس 10, 2025
نفسي أطير مع أفنان
نفسي أطير مع أفنان

لم تكن نظراتها طبيعية، شهقات تنفسها واحمرار وجهها، ودموعها المحبوسة بين مقلتيها الخضراوين” جعلتني اتطفل في الاستئذان بالسؤال عن حالها وحكايتها، بعدما رحبت بتدخلي بإرادتها ” كيف حالك تنهدت بحسرة، ودموعها تذرف حاولت اخفاؤها من طفلتها التي كانت تتراقص كالفراشة حولنا بفستانها الاحمر اللون الذي يصلح للفرح، وتحمل بالونا احمر وتلهو به يمينا وشمالا.

بادرت بسؤال الام ” مريم ” ما اسم طفلتك. قالت لي: ” عيوش بدلعها” ردت عيوش “لماذا تنادي على الجدة ” سألتها من جدتها قالت: “انها امي” وبدأت بسرد الحكاية بصعوبة بالغة ” استشهدوا كل اسرتي زوجي، وحماتي، وبنتي عمرها 12 سنة وابني الي اجاني بعد 14سنة من الانتظار كان عمره عشر شهور ولم يبق سوى عيوش وانا وهي الناجين من المذبحة وفق قولها”.

تحاول “مريم ” لملمة شتات افكارها تقول ” تم قصف بتينا الجميل الواسع في منطقة الفالوجة زوجي راح معهم كان كتير طيب وعطوف ويحب اولاده كتير صح انا تزوجت مبكر على سن15 سنة كان عمري ما حسيت أنى مضطهدة او صغيرة كان يعاملني بكل حنّية ويعطينا من وقته الكثير نطلع نتفسح ونروح مطاعم وكانت حياتي مستقرة”.

اليوم كل شيء أصبح غريبا عني حياتي ما بين بيت اهلي ومركز الايواء اقضيه وحزني يتغلل في داخلي كل يوم، مع كل كلمة لابنتي عيوش ذات الخمس سنوات تقتلنني حينما تقول ” ليش ما رحت مع اختي أفنان وأخوي على الجنة ليش ما أخدونا انا وانت ” هذه الكلمات التي ترددها بشكل متكرر على مسامعي تفتح جرحى من جديد وتجعلني ادخل في نوبات بكاء وحزن شديد لا أجد اجابة شافية لأسئلة طفلتي الصغيرة سوى الصمت ومحاولة هدهدتها واحتضانها “.

تضيف” مريم ” اليوم أصبح كل همي ألا أفقد عيوش حبيبتي هي ما تبقت من اسرتي، مع كل قصف اخذها في حضني وبخاف أي حد يأخذها مني هي سلواي في هذه الحياة، كل شيء جميل ذهب مع الحرب اللعينة، هجرنا قسرا من بيوتنا، التي قصفت بالكامل على رؤوسنا وعشنا حياة اللجوء عدة مرات من مكان الى مكان بحثا عن الامان المفقود “.

تضيف ” لا يوجد مكان آمن يحتضني وانا وبنتني أحاول بقدر المستطاع أن اخفف عنها خوفها، كتير تصحا بالليل وترى كوابيس وتسأل عن افنان شقيقتها التوأم وعن اخيها، ليش طاروا على الجنة وما اخدوني “

تخشي ” مريم ” من المستقبل وما يخفيه لها، بعد ان فقدت سندها زوجها وحماتها وحماها، تُفكر في استكمال تعليمها، كي توفر حياة كريمة لابنها الناجية الوحيدة من الحرب.

تضيف بلهجة سخط وغضب ” اصبحت الان محط نظر الجميع ولسان حالهم يقول ” الست جميلة خسارة عليها تفضل على البنت مفروض تتزوج وتتستر تحت ظل رجل ما بنفع تضل كده للرايح والجاي “.

“مريم “والتي لم تكمل عامها السابع بعد العشرين بعد تمتلك من الجمال ما يفوق تصور العقل، بدأت الايحاءات من اقاربها بأنه يجب عليها أن تتزوج وألا توقف حياتها من أجل ” عيوش” وهي ترفض هذا التدخل بكل ما تمتلك من بقايا قوة، تقول رسالتي هي ان اهتم بمستقبل بنتني وأوفر لها حياة كريمة وان أكمل تعليمي لمواجهة نوائب الدهر والقادم من الأيام.

اريد أن أبقي على ذكريات زوجي الحبيب ولا أحد يمكن أن يشغل مكانه هدفي وطموحي الان هو ابنتني وسأرفض أي تدخل من قبل اهل زوجي مهما كلفني ذلك لأنها حياتي وحدي واريد أن احياها بدون ضغوط وهموم جديدة، الجرح ما زال اخضر ويصعب لئمه واحتاج ربما لدهر لنسيان ما حل بنا والمجزرة التي ارتكبت بحقنا ونحن جالسين نتبادل أطراف الحديث ونلهو مع الصغار فأتت الصواريخ على احلامنا ودمرت بيتي الذي لم ننته من بنائه الا حديثا فأجهزت عليه الاحتلال وعلى من فيه وأصبح أطلال يحمل بقايا الذكريات.

Other Topics