أغسطس 17, 2025
هديل، وأمومتَها التي انتُزعَت مرَّتين
هديل، وأمومتَها التي انتُزعَت مرَّتين

جلست هديل تسردُ حكايَتها بقلبٍ مقهور، وهي التي عاشت الوجع ذاته مرتين كأن الزمن استدار ليعيد الكرة ذاتها: طلاق ثم حرمان من الأبناء وما بعد هذا وذاك سلسلة من المعاناة والقهر عاشتها في طلاقها الأول ثم زادت حدتها في طلاقها الثاني إثر العدوان الأخير على قطاع غزة.

تقول هديل: “بعد ما تطلقت من جوزي الأول وحرمني ولادي، أبويا رماني وجوزني لزلمة 62 سنة وخلفت منه 4 أنفار وكانت مرته تضلها تضربني وتزن على جوزي (طلقها طلقها) وطلقني طلقتين قبل الحرب ووصلتني ورقة من المحكمة والطلقة الثالثة بالحرب وفش أوراق ولأنه فش محاكم حكا فرصة عشان ما أدفع ولا شيكل وحرمني ولادي وعشان بعرف قصتي الأولى صار يحكيلي إنسي ولادك ابن عمك مش أشطر مني، وأخد مني ولادي الأربعة”.

توقفت برهةً فغلبتها دموعها وقالت “معلش قلبي بجعني لما بذكرهم بشتاقلهم يمكن”.

ثم أكملت: ” أنا نزحت على الجنوب وطلقني الطلقة الثالثة هناك ورماني على شط البحر لأشهر في نتفة مقطوعة يشهد الله عليا لا بعرف فيها حد ولا في خيمة منيحة هما خشبتين اللي موقفين الخيمة وهي قديمة وممزعة كتير يعني المطر كان ينزل منها وبعز البرد والسقعة كنت لحالي أنا وولادي الأربعة الصغار وابني أصغر واحد برضع، ولدته ثاني يوم الحرب ونسي الولاد لا مصروف ولا أكل، أروح أشحت لابني الصغير الخبزة وما كنت لاقية الحليب ولا الحفاظات وأصف تكيات وأصف على الميا مش ملاحقة، تعبت واجاني مرض السكر فترة واجاني ضغط، وبعاني كتير من ودني ومفش علاج مش عارفة ايش أقلك ما سألش عن ولاده اللي هما من لحمه ودمه، يعني فش أب بعمل هيك بالحرب”.

بعدما تُركَت وحيدة في مهب الريح تجابه الجوع والمرض والقلة أخذت هديل تجوب شوارع المدينة بخطى مثقلة بحثاً عن أهلها، ظنت أنها ستجد حضناً آمناً يحتويها ويعيد لها بعضاً من كرامتها وحقها المسلوب.

تقول هديل: “ضليتني أدور على أهلي لأنه حارمني منهم كنت آخد ولادي وأطلع كل يوم ألف عليهم وأسأل بالخيم، والخيم والناس كتير وين بدي ألاقي أهلي وفش تواصل مفش جوال حرمني الجوال من يوم ما أخدني”.

وتضيف: ” بعد بفترة دلوني على مكان ورحت عليه في عز رمضان أدور فلقيت أخويا وصرت أعيط وأقله أنا أختك نسيتوني طب دوروا عليا، ما هما أهلي من النوع اللي بجوزوا البنت وبنسوها، وأقله رامييني يخو جعانة أنا وولادي، ابني كان يقف يدوخ ما هانش عليا كنت أشحتله فعلاً وكنت أنذل بالآخر أروح، ولما ما كان عندي حليب كنت أشتري الحلاوة وأدوبها بميا مغلية ويشربها عشان يعيش ميهمنيش يشبع المهم يضل عايش ولما لقيت أهلي ما حدش أهتم لا أبويا ولا أخويا، وبهالوقت جوزي أخد ولادي “.

 وفي لحظة مُرة انتُزعَ منها أبنائها عُنوة بعد أن تعرضت للضرب المبرح من أبيها وأخيها واختطف طفلها الصغير من بين أحضانها، تصف هديل ما حدث معها بكل ما يحمله قلبها من قهر وحسرة فتقول: “جوزي بعت بده اياهم وأنا عيطت بديش أفلت ولادي وانضربت من أهلي واتاخدوا مني غصب عني، ضربوني عشان أسيب ولادي وأنا متمسكة فيهم وبالآخر أخدوهم، ابني الصغير شدوا أبويا من حضني وهو برضع صرت أقله حرام عليكم هاد طفل بده حليب ويومها أبويا ضربني على راسي بكل قوته كان بده يقتلني، أبويا عنده الضرب موت، وهو بضربني صار يصرخ هاتي الولد ولما مرضت من الضرب أمي حكتله لازم تروح تتحكم عدها ماتت حكالها إن شاء الله بتموت وبرتاح منها”.

حاولت هديل كثيراً أن ترى وجه أبنائها لكنها في كل مرة تُقابل بالرفض بحجة” فش إلها عندي ولاد” وبعد معاناة استطاعت رؤيتهم لمرة واحدة لكنها صُدمت من الهيئة التي رأتهم عليها ومن المعاملة القاسية التي يعامل بها أبنائها بينما هي عاجزة عن مد يد العون والحنان لهم.

تحكي هديل: “صرت أخلي ناس يتواصلوا عشان أشوف ولادي، بيحكيلهم فش إلها عندي ولاد، فصرت أدور على محاميين عشان أقدر أشوف ولادي، وأنا فش إلي حقوق يعني لا ورقة طلاق ولا ولاد من لما أخدهم أبوهم شفتهم مرة واحدة بس، وشفتهم ولادي قاعدين عند مرت أبوهم وبضربوهم بالبربيش وبحبسوهم بالغرفة، يعني ابني اجاني مش طبيعي صار يحكيلي يا ماما برمونا بالأوضة وبسكروا علينا واللي بطلع بضربوه بالبربيش وهما بياكلوا الشغلة المنيحة واحنا برمولنا الخبزة وبضلهم يحكولنا امكم ماتت، ومن المغرب لازم كلنا ننام إذا حد كان صاحي بتجلده مرت أبويا بالبربيش”.

وتضيف: “بدك أسمع هذا الكلام وايش يصير فيا! ابني إجاني جسمه مصبغ أعصابي تعبت وصرت أرج يعني أنا بدي دكتور نفساني يعني مرات بدعي على حالي أموت ولا أشوف كل اللي بجرالي أنا بكرة لما أكبر مش حلاقي حد يسندني لا أخ نافعني ولا أب ولا زوج ولا ولاد وبكفي اللي راحوا”.

لم يكن هذا وحده نصيبها من الفقد ولم تتخيل للحظة أن أبنائها الكبار الذين أجبرت على تركهم منذ نعومة أظافرهم وحرمت من رؤيتهم أن تفقدهم للأبد، بكت هديل كثيراً قبل أن تكمل حكاية استشهاد أبنائها الكبار فعقلها لم يستوعب حجم الفقد الذي مرت به خلال فترة وجيزة، تحكي لنا هديل: “بعد بفترة من لما أخدوا مني ولادي بجيني خبر عن ولادي الكبار اللي بغزة أنا كنت دايما أكلمهم فاتصل ابن عمي في أبويا بحكيله ولادكم وأبوهم استشهدوا استشهدوا وهما رايحين يجيبوا أكل، مات ابني الكبير والصغير وأبوهم، أبوهم عاش حارمني منهم ومات حارمني منهم”.

وتكمل: “كيف استقبلت الموضوع مش عارفة! يعني زي ما تقولي انهبلت انجنيت لليوم بحكولي إنت مش طبيعية بتلاقيني فجأة قاعدة بقرنة بحبش أحكي مع حد ولا أشاركهم بحاجة حزينة وبقول يا الله الكبار انحرمت منهم والصغار انحرمت منهم وبنتي اللي ضايلة من جوزي الأول لليوم حارميني منها ولما تيجيني تطل عليا بتيجيني بالسرقة وبصرخوا عليها ومعاملينها خدامة، طب أنا إيش ذنبي أنا ذنبي إني خلفت وربيت وعانيت والله العظيم عانيت وانذليت!”

وبتنهيدة طويلة تكمل هديل حديثها عن شكل آخر من أشكال العنف الذي تتعرض له من قبل أبيها فتقول: “أخ أنا شفت كتير الحمد لله وأكتر إشي إنه أبويا بكرهني وكتير عصبي عليا عشان تطلقت من الأول ومن الثاني وبمشينيش إلا بالغلط تعبانة مش تعبانة بدك تقومي تخدميه بدك تقومي تشتغلي بدي أطلب طلب أشوف ولادي بذلوني عليهم وبحكولي هاتي مصاري طب أنا من وين أجيب، إذا بقلهم عيانة عادي إن شاء الله بتموتي، يعني أنا بعيط وبحكي أبويا السبب في كل اللي أنا فيه”.

وتضيف: ” أنا مش عارفة أصلاً ليش أبويا بكرهني عنده من الآخر يا الضرب يا الطلاق إن قلت بدي ولادي بنضرب انا كتير انضربت من أبويا كان بده يوصل إنه يقتلني، أخر مرة ضل يخبطني على راسي ويقلي بدي أقتلك وأتريح منك لما نزل من أنفي وودني الدم وأنا خايفة تكون المشاكل اللي عندي من كتر ضرب أبويا على راسي، طب ليش! عشان طلبت ولادي، آخر مرة قلتله بدك تريحني يابا اقتلني وريحني قلي يا ريت، يعني أنا انحرمت أشوف ولادي الأولانيين بيكبروا نفسي أشوف هدول بيكبروا ولليوم هيني قاعدة بستنى الفرج”.

كيف لهديل أن تعيش حياة طبيعية وهي تُشاهد أبناءها يكبرون بعيداً عن أحضانها، بعيداً عن أصوات ضحكاتهم وخطواتهم وقرقعة ألعابهم الشقية، بعيداً عن ممارسة مهامها كأم بإعداد طعامهم المفضل وتسريح شعورهم وتدريسهم؟

تشاهدهم يكبرون وتُمنَع حتى من أن تحتفظ بأصواتهم في ذاكرتها أو أن تضمهم لصدرها الحنون..

كيف يتراكم كل هذا الحزن والفقد المرير على قلب الأم فتحرم من سماع كلمة ماما؟

تقول هديل: ” أنا بشتاق لولادي وبحب ولادي، أنا كتير تعبانة، بتعرفي أهلي جننوني هبلوني فوق ما أنا تعبانة خواتي بضلهم يحكولي إنت معقدة اسكتي وتحكيش وإلا حنحرمك ولادك، ماسكيني من ايدي اللي بتجعني بتعرفي لو تفتح الدنيا حروح مستشفى مجانين وأقعد فيها، دايما برتعش وبكون قاعدة لحالي بالغرفة بعيط على الي ماتوا وبعيط على اللي اتاخدوا مني وبعيط من أمي وأبويا اللي بحبونيش، أنا بنامش بالليل قليل جدا لما عيني تغمض ولما أغمض عقلي شغال من التفكير وبراسي دوشة طيب يا ربي انا أم يعني والله قلبي بجعني”.

هديل وغيرها من الأمهات المنسيات خلف أبواب الألم، اللاتي يسحقهن الصمت وتختنق قلوبهن بالحنين والخذلان، تُمارس عليهن أقصى درجات القهر، يحاربن وحدهن داخل غرفهن المظلمة، فلا مغيث لهن ولا نصير.

Other Topics