“طلعت من الشمال لغزّة، بعدين رحت على رفح وعلى الدير وعلى الوسطى. تبهدلت وعانيت في الطريق، كنّا نحمل أغراضنا ونجري من مكان لمكان ومن خيمة لخيمة، كنت كُل نزوح أهكل هم وين بدنا نروح”.
تُردّد هالة: “وين بدنا نروح!” وهو سؤالٌ يؤرق الغزّيينَ الذينَ يواجهون العدوان الإسرائيلي بلا مأوى آمن ولا وجهة واضحة. يهربون من موتٍ يلاحقهم إلى موتٍ آخر يترصّدهم، ومراكز الإيواء تفيض بالنازحين، حتى أنّ الشوارع والأماكن العامة قد تحوّلت أيضًا إلى مخيماتٍ، تلاشت فيها أبسط معايير الخصوصية والحياة الآدمية.
نزحت هالة مع زوجها وأطفالها من شمال القطاع إلى الجنوب، في رحلةٍ مريرة كلَّفتها الكثير من المعاناة وجلبت عليها العنف بكافة أشكاله. تحكي هالة: “إحنا من سكّان الشمال، وفي أوّل الحرب كان الوضع هناك لا يُطاق، قصف من كل مكان، فنزحنا بطولنا عن طريق الحاجز ورحنا على الجنوب. كنا مفكّرين هناك الوضع أمان وأحسن بس انصدمنا بالواقع إنه كان أسوأ من كُلّ الجوانب”.
وتضيف: “اضطرينا نقعد في خيمة، وهاي أول مرة نجرب عيشة الخيمة. ما كنت بتخيل في حياتي أقعد في مكان زي هيك. كان إلي بيتي وقاعدة مُعزّزة مكرمة. ويا ريتها إجت على قدر هيك، صارت حياتي مشاكل وضرب ومسبات من زوجي”.
في المخيم، حيث لا خصوصية ولا مساحة للراحة، أصبح ضيق الحال حجّةً ليمارس الزوج عليها التعنيف الجسدي والحرمان الاقتصادي. فالخيمة الصغيرة المهترئة التي بالكاد تتّسع لعددهم، ضاقت عليهم أكثر نتيجة خلافاتهم المتراكمة. تقول هالة: “أنا عندي ٤ أطفال وكنا عايشين أنا وزوجي وأولادي يا ما أحلانا، وفي الحرب مع الوضع الصعب صرت أتعرّض لعنف نفسي وجسدي واقتصادي من زوجي. دائمًا بيضربنا، بيهيننا، بيسب علينا قدام الناس وبيعاملنا بابتزاز عن طريق الأكل. بيحكي لنا أنتم خسارة تاكلوا، ودائمًا بقلل من شأننا”.
كشفت حالة النزوح والتشرد عن جانبٍ غير مألوف في شخصية الزوج، فبحسب هالة، لم يتمكّن من تحمّل المسؤولية أو إدارة شؤون العائلة تحت ضغط النزوح. تحكي هالة: “صحاب المخيم اللي كنت فيه يشهدوا عليّا إنه رفع علي العصاية على جسمي. كان يطلع من الصبح وإحنا ما ناكل طول اليوم. كُل واحدة زوجها يجيبلها أكل وأنا ما في عندي إشي، يطلع الصبح، يرجع المغرب فش إشي”. وتضيف: “أنا اللي أروح للمياه وللأكل. كنت أصلّي الفجر وأطلع بأواعي الصلاة أصفّ على التكيّة والله أكون خايفة، ومرّات أقدر أجيب ومرّات لا، غير الإهانة، غير التحرش، غير كنّا ننحرق لما ينكب علينا الأكل السخن عشان الناس زحمة وفوق بعض”.
تعرضت هالة للتحرش والاستغلال نتيجة اضطرارها لطلب الطعام أو المساعدة لتسدُّ جوعَ أطفالها، بينما تقاعس زوجها عن توفير احتياجاتهم واكتفى بتوجيه غضبه نحوها وضربها باستمرار. تقول هالة بعد تنهيدة طويلة: “تعبت. تعبت وهو فش إحساس. جسمي بجعني، قلبي بجعني، وقدام أولادي ببيّن حالي قوية بس أنا مكسورة. يعني الوجع بيطيب بس الكسر مستحيل يطيب، بيتصلح آه بس برجعش زي ما كان. خلّاني في المخيم إنسانة منبوذة، يغلط عليّا قدام الكل وكل المخيم يسمع صوتنا وبعد ما يخلّص يغوّش كان يطردني من الخيمة وييجوا جاراتي في المخيم يواسوني”.
كان العنف الذي مارسه زوج هالة عليها متكررًا لدرجة وصفها بكونه “يوميًا زي وجبة الأكل”، ووصل الأذى درجةً كانت تضطر عندها لأن تلجأ لسكّان المخيّم ليخلّصوها منه. وتضيف شارحةً: “كنت أقله خلص بكفّي، أنا بديش أفضح حالي، أنا ضهري مكسور لحالي، أهلي مش عندي وإخوتي استشهدوا، أنا هلقيت مش قادرة أسيطر لأنه كمان فش مصدر دخل، يعني اضطر ابني يروح على منطقة المساعدات يجيب أكل من عند الخطر والموت”.
مقابل كُلّ العنف وقلّة الموارد والطعام، اضطرّت هالة للجوء إلى أحد الأشخاص علّه يدبّر لها سلّةً غذائية أو يوفّر مساعدةً مالية تُمكّنها من تلبية احتياجات عائلتها، لكنّها لم تحصل منه على المساعدة، بل الابتزاز: “أخد رقمي بحجة المساعدة، فبعدها صار يبعتلي رسائل على الجوّال إنه أحكي معه مقابل إنه يساعدني. فأنا الحمد لله واعية ورحت شكيت عنه”.
وصلت هالة حدًا لم تعد قادرةً فيه على تحمّل قسوة زوجها، بل ووجدت أنّ ابنها داعمٌ لقرار الخروج من الخيمة، وترك حياة القهر وراءها، لتبدأ رحلة نزوح جديدة مع أطفالها، لا تعرف وجهتها، ولا تقل صعوبتها عن سابقاتها، لكن هذه المرة بلا عُنفٍ يمارس عليها. تقول هالة: “ضلّه زوجي يغلط عليا ويهينني وضل يهددني بالفضيحة ف إجا ابني الكبير أبو 16 سنة حكى لي: ليش يمّا متحمّلة؟ خلص! فأنا ما صدّقت لقيت حد ساندني وحملت أغراضي وطلعت من عند زوجي في الخيمة، فوقتها حكالي أوعك تفكري ترجعي تاني، وهيني نزحت عند أختي”.
لكن الرحلة لم تنته عند بيت الأخت: “استحملتني يوم يومين بعدين حكتلي بتحمَّلك إنت بس أولادك لا. طب وين أروح؟ وين أسيب ولادي؟ أروح للناس في المخيمات عشان يستغلوني ولا أروح لجوزي يضربني ويحرمني ولا أرتمي في الشارع يعني وين أروح؟”
في الخيام التي نُصبت على عجل، يتقاسم مئات النازحين والنازحات مساحاتٍ ضيقة بلا مقوّمات أساسية، لتصبح مراكزَ معاناةٍ مضاعفة، لا توفّرُ لهم سوى سقفٍ هش، وواقعٍ أكثرَ قسوة، لن يتلاشى إلا بتوفير حلولٍ دائمة للعائلات، وطرح مشاريع إعادة الإعمار التي تضمن مسكنًا آمنًا، وتأخذ احتياجات السيدات والفتيات بعين الاعتبار، لتحميهنّ على وجهِ الخصوص من آثار العنف الناتج عن انعدام الخصوصية والتشتّت دون مأوى.
توضيح: الأسماء المستخدمة الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.
“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”