في أحد مخيمات جنوب قطاع غزة، تعيش فاتن مع أسرتها تحت وطأة الحرب التي قلبت حياتها جحيمًا، فصارت هي وأطفالها ضحايا للعنف الأسري.
تختصر فاتن معاناتها بقولها “سنة الحرب هي أسوأ سنة، بسبب زوجي مش اليهود”، حيث وصلت إلى حد من المرارة والقهر اللذين يفوقان كل شيء. وهي بقولها لا تنفي التهمة عن ظروف الحرب وحياة النزوح، بل تثبتها كما تقول “زوجي زاد في الحرب، صار واحد تاني شرس، من قلة الفلوس بيطلع غله فيّ، أول كلمة الله يلعن أبوكِ وأهلك”، وتكمل في وصف إهانته لها على الملأ “طول نهاره صوته عالي، يهينني ويخلي اللي يسوى واللي ما يسوى يتكلم عليّ. من أقل موقف، لأنه تاركة الفرشة برا الخيمة حتى ما يبهدلوها الأولاد، فضحني قدام كل الناس قبل ما يدخل الخيمة”.
في وضع الحرب والشح الذي يصل إلى انعدام الأساسيات، لم تستطع فاتن توفير أدوية منع الحمل. وعندما علمت بحملها أخفته عن زوجها خوفًا من ردة فعله، تقول فاتن في أكثر ما أوجعها وكسرها “الحمل في الحرب مش بإرادتي، لأنه فش حبوب، ٣ شهور ما رضيت أقول له، لما عرف إني حامل لمّ المخيم كله عليّ، حسسني إني حامل بالحرام، بيقولي متى؟ وروحي نزليه عند أبوكِ!”.
لا تقتصر سوء معاملة الزوج على فاتن وحسب، بل يزداد في قسوته على أبنائه مما أدى إلى إيذائهم نفسيًا وجسديًا، تقول فاتن “كل يوم يضربهم، مرة بايديه، مرة بشاكوش، بخشبة، الي يلاقيه قدامه. كسر الصحن براس ابني وأغمى عليه، نخز بنتي بأداة حادة”. يفقد أبنائها أي حق في الحوار مع والدهم أو التربية بعيدًا عن العنف “ابني ما عنده شبشب لأنه غالي، بيمشي حافي فأكيد رجليه مبهدلين، يمسك الشاكوش أو العصا وعلى رجليه، فش عنده حكي! بنتي الكبيرة بالذات فش لغة حوار، شو ما تعمل ٢٤ ساعة يضربها”. ترى فاتن أطفالها أمامها يُعنفون بينما يُسلب بريقهم ليحل محله أفكار ومشاعر لا تناسب طفولتهم “بنتي كل شوية يقولها: أنا بكرهك، يا رب تموتي. صارت نفسيتها محطمة وطول اليوم تبكي وتضرب حالها وتقول يا رب أموت”.
تعاني فاتن كزوجة، وتعاني كأم يتلوى قلبها على ما يقاسيه أبنائها، ولا تستطيع أن تفصل وجعها عن وجعهم، فلا يكون منها إلا أن تتصدى لزوجها كلما بدأ في تعنيفهم وضربهم لتحاول حمايتهم بجسدها الأعزل، ولا يكون من زوجها إلا أن يُنزل عليها من العنف ما يُنزله على أبنائه، تصف فاتن طبيعة الأمر “دائمًا أنا ما بكون طرف في المشكلة، بس عشان بدافع عن أولادي، يقول لي ابعدي عنهم يا إما تنضربي، أنا أحكي له يا أولادي يا إما بموت معهم”. تستنكر فاتن فعل زوجها ولا تقبله حتى وإن كان سينتج عنه ضربها وتوبيخها والتفنن في الدعاء بالشر عليها وعلى أبنائها “بيدعي عليّ: يجعلك تموتي انتِ وأولادك، يجعل مقطورة تدهسكم، يجعلكم تتفتفتوا.”.
تحملت فاتن ما يصيبها لأجل أبنائها، كي لا تضطر لتركهم، لكنها اليوم لا ترى منفذًا غير الانفصال؛ لأجلها ولأجل أبنائها “حاسة الحياة انعدمت بيننا، ما في إحساس زي قبل، وبسبب تعامله مع الأولاد”، وتكمل “حكيت له بعد الحرب كل واحد من طريق، وهو بيحكي بدي أسيب البلد وأسافر وآخذ الأولاد معايا، قلتله انت هنا وبتضربهم قدام عينيّ! أولادي أنا بربيهم، ربنا يرزقني وأفتح مشروع مع أي جمعية، مش مشكلة بقعد بخيمة”. وتؤكد على أمنيتها باستقلاليتها “نفسي جهة تحطني في تمكين مشروع، أنا ما بدي منه حاجة”.
ومع استمرار الحرب، تستمر معاناة فاتن مع عدم قدرتها على وضع حد لما يحدث. ولا تزال تُمني نفسها بأن يطرأ تغيير على حياتها وتعامل زوجها معها ومع أولادها، تقول فاتن “بحط إله مبرر بس يمكن بضحك على حالي. بستنى الحرب تخلص، يمكن يتغير، بدي أعطيه كمان فرصة”. وهكذا تعيش تحت العنف وبالتفكير في المتناقضات، بين إعطاء زواجها فرصة أخرى أو الانفصال، وتبقى الحرب حائلًا بينها وبين تقرير مصيرها.