أغسطس 11, 2025
أسيرة العنف
أسيرة العنف

هبة، سبعة وثلاثون عاماً، أم لستة أبناء وشهيد، لم يكن قد تجاوز عمره اليومين، وحامل في أشهرها الأخيرة. تطلقت من زوجها الأول ثم لاقت من الويلات والتعنيف عند أهلها ما جعلها تدعو “يا رب ظل راجل ولا ظل حيطة، صرت أتمنى يجيني لو ختيار بيسبح وأخدمه ولا أضل بالمعاناة هادي”. وقد كان، وتزوجت مرة ثانية كزوجة رابعة لرجل مريض نفسي يكبرها بأعوام “اجاني هادا الزلمة، وافقت، وقتها مكنتش مفكرة لا بعقل ولا بقلب. كنت بدي أهرب من النار، فطلعت من نار لنار”، وكان زواجها منه بداية لفصل جديد من المعاناة مع قطيعة أهلها لها رفضاً لزواجها.

“لما يزيد الوضع بتلاقي فقر من جهة، وقلة احترام وقهر وضرب من جهة، بتحسي حالك أسيرة في سجن”، هكذا تصف هبة نفسها وحياتها، ولا يأتي الوصف من فراغ، فقد لاقت من قبل زوجها عنفاً بكل الأشكال التي لا يطيقها بشر، تذكر هبة بعض أفعاله “مسك غلاية القهوة بتغلي غلي وكبها عليّا، كسر ايد الطوا عليّا، بيمسكني وبيحطني تحته وبيلف الشالة على رقبتي وبيقعد يخنق ويضرب فيّا، سكين الدبح رماها عليّا، لولا جوز بنتي كان موجود ومسكها. آخر فترة خلّى الدم ينزل من تمي، أوقات بياخدني من شعري من الطابق الرابع للأرضي ويضربني قدام الناس”، وتستفيض في ذكر حادثة بعينها “ضربني قبل أسبوعين كسّر عليّا عصاية المكنسة، ايدي انكسرت، كانوا بدهم يجبصوها، بس أنا رفضت لأنه عندي تنين صغار، مين بده يقوم فيهم! مين بده ينقل لي الميّا!”

وليست جروح البدن أكثر ما يؤلم، فقد وصفت هبة كلام زوجها معها بالجارح، تقول “أكتر إشي مأثر عليّا مش الضرب، إنما إهانته إلي، كلامه جارح، بيقولي انتي متزوجة قبلي، مقطوعة، ما إلك أهل. بيتفشش فيّا من الطريق، لو شافني بضحك بيقولي على ايش مبسوطة، لو شافني ببكي بيقولي: اه عاملة حالك مظلومة”. فاض الأمر بها للحد الذي جعلها تراه يريد موتها، وعندما صارحته بما تفكر، كان رده مفجعاً “في مرة بقوله آخرتك راح تموتني، قال لي عادي بموتك وبوديكِ لأهلك، ما بتفرق”.

تواجه هبة عنف الزوج وإهانته من جهة، وضيق الحال وصعوبة الوضع الاقتصادي من جهة أخرى، فهي تقوم بدور الأم والزوجة وربة المنزل والمعيل للأسرة، حيث يلقي زوجها على كاهلها عبء كل هذه الأدوار دون أن يكون في عونها في أيٍ منها. تقول “في يوم بقوله انقل معايا الميا، كان إلي شهر بس والدة بعملية قيصرية، ما عجبه، فتح علينا الجرة وضربني بالسكينة، ورمى عليّا الصحون، إجت قزازة ببنتي غرزوها ٧ غرز. ولليوم أنا اللي بنقل الميا، مستعد يضل الجردل عشر سنين فاضي لحد ما أقوم أنا وأعبيه”. وموقفه هذا قائم حتى على العمل “كنت أروح أمشي مسافات أشتغل عشان أجيب مصروف لولادي، لما أقوله روح يقولي بدك إياني أنشل”، وتضيف في هذا السياق “في أول الحرب كنت أروح من بيت حانون مشي على غزة عشان أجيب خضار وأبيع وأصرف على ولادي، أروح على الموت والدبابات قدام عينيا. قلتله إنت قاعد وكل إشي موفرلك وكمان بتغلط، لو مش عاجبك قوم اشتغل لحالك، صار يغلط عليّا ويضربني”. ومع صعوبة الوضع المعيشي خلال هذا العدوان وعدم وجود مصدر دخل فهي لا تجد مناصاً من العمل في أي فرصة تتاح لها، حتى عملت في آخر المطاف في تنظيف الحمامات العمومية “الناس بتقولي كنتي تعلمي، صرتي تمسحي حمامات، بقولهم الشغل مش عيب، المهم أصرف على حالي وأولادي”.

تصمت هبة لدقيقة تراقب بها لعب طفلتها الصغيرة ثم تقول بحسرة “بنتي بتحكي لأبوها بدي أعطيك ٥ شيكل بس ما تطلق إمي، إحنا بدنا إمي”، وفي هذا تكشف الستار عن تهديدات الزوج “بيهددني بالطلاق، بيضل يقولي آخرتي أطلقك”. وعندما تحاول التفاهم معه يقابلها بما يكسر شوكتها “لما أحكي معه بيقولي هادا الموجود، مش عاجبك روحي عند أهلك، بقوله السبب في زواجي منك هو تصرفات أهلي! ولو بدي أموت ما بروح وبترك ولادي”.

وعند سؤالها عن وجود حدث طرأ عليهم خلال هذا العدوان أدى لزيادة العنف، أشارت إلى حادثة اقتحام الجيش الإسرائيلي مدرسة لإيواء النازحين في جباليا والتي نتج عنها أسر زوجها، تقول “جرفوا الخيم وحرقوا المدرسة وأخذوا زوجي، ضلينا إحنا النسوان عندهم ٣ ساعات، رفعوا عليّا السلاح عشان أخدت ميا لزوجي وللرجال التانيين”، وتكمل “من لما طلع من عند اليهود زادت معاملته إلي بالضرب بسبب اللي صار معاه”.

ولا يكتفي هذا العدوان بهذا القدر من الويلات، بل يزيد “علاج زوجي مقطوع من ٧ شهور، لما بيفقده ما بيلاقي غيري قدامه”، ولا تكتفي هبة بهذا القدر من المبررات، بل تزيد “بقول يضربني أحسن ما يضرب الناس ويعمل مشكلة ونقعد في سين وجيم!”.

نتيجة الأحداث الصادمة التي مرت بها هبة خلال حياتها فقد شُخصت بالاكتئاب وهي حالياً تخضع للعلاج. وقد فاض الكيل بها للحد الذي جعلها تحاول الانتحار مراراً “نفسيتي محطمة، حاولت الانتحار ٤ مرات، مرتين بهالعداون. شربت دوا، وجرحت حالي وتغرزت ٦ غرز، كبيت على حالي براد الشاي وهو بيغلي غلي” وتكمل بمرارة “قدامه حاولت أنتحر وما عمل شيء”.

“أكثر شيء محتاجة دعم نفسي، وإذا أي مؤسسة بتقدر توفر لي شغل، أنا بدور على شغل حتى لو كان ١٠٠ دولار بالشهر، بس أكمل هالشهر قبل ميلادي، عشان أكسي اللي ببطني، وأوفر علاجي” وتضيف “إذا عرضوا عليّ المؤسسات يأخذوني أنا وولادي بتركه، بس يحموني أنا وولادي”. على هذه الأمنيات ودعتني هبة، ثم حملت جردلاً فارغاً كان ينتظرها لتقوم بتعبئته، ثم تكمل حياتها بكل ما تقاسيه فيها وكل ما فُرض عليها..

Other Topics