تحت نار العدوان، تتغير المفاهيم وتتبدل الأدوار وتزيد الأعباء كما لم تكن يومًا. تقول أفنان ببساطة موجعة “الحياة داست عليا كتير. صرت أنا الراجل والست”، بهذه الكلمات تختصر معاناة شهور طويلة.
تشرح أفنان حالها ووضع أسرتها المعيشي “زوجي مريض نفسي وعنده إعاقة بايده ورجله. بيقدرش يشتغل من سنين، كنت أدبر فيهم مصروف من قرايبي. لما بدت الأحداث، نزحت للجنوب وزوجي ضل بالشمال، عملت فرن وصرت أخبز للناس، كنت مسؤولة عن أولادي وأختي المعاقة ووالدتي كبيرة بالسن ومريضة سكر وسرطان. لما رجعت من الجنوب كان الوضع أحسن من هيك وزوجي فاتح بسطة”. لكن مع تجدد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ومنع دخول أي من المساعدات أو البضائع، توقف زوجها عن العمل وتحول حتى الطعام إلى رفاهية لا تملكها أفنان “من ٣ شهور أولادي بياكلوا وجبة وحدة باليوم، يا بيفطروا يا بيتعشوا، فش مجال لأكتر من هيك”.
مع مرور الوقت، يزداد العبء عليها، فهي وحدها المكلفة بتوفير الطعام وتعبئة المياه والوقوف في طوابير لا تنتهي يملؤها الرجال، بينما زوجها لا يسعى لأي أمر قيد أنملة “زوجي بيضل قاعد لا بيشتغل ولا بيعمل اشي. ولو جاع بيروح عند إمو ياكل، ما بيسأل عليا أنا وأولاده كيف حندبر حالنا”. ونظرًا لخروجها المستمر ووقوفها على طوابير التكيات وشاحنات المياه التي لا يتواجد عندها بالعادة غير الرجال، فقد صارت أفنان مطمعًا لكثير منهم، مما جعلها تتعرض لعديد من حوادث التحرش ومحاولة استغلالها جنسيًا مقابل القيام على شؤونها. “بكون واقفة بالدور أعبي ميا وزحمة وأغلبهم رجال وبيدافعوا، سواق الشاحنة أكتر من مرة يحكي لزوجي ينقل الميا، يقوله: هي مرتي بتجيب وبتنقل. صار الزلمة هو اللي ينقل الميا عشاني، بالآخر حكالي: هي رقمي كلميني وبعطيلك اللي بدك إياه. سكتت، شفت حالي رخيصة قدام الكل بسبب زوجي”.
لم تسلم أفنان حتى من القريب، فقد حاول قريبها -الذي كانت تعتبره في مكانة والدها- التهجم عليها، كما تقول “وأنا نازلة أعبي ميا، سحبني وحضنني وحكالي: مفكرة إنه عندك زلمة، جربينا وبتشوفي الزلام!”، فوجئت أفنان بفعله لتصرخ فيه “انت مفروض تكون أماني من الناس مش تعمل هيك!” ليرد ببرود “سمعناها كتير”.
تطلب أفنان من زوجها مساعدتها في تدبير الأمور لتسد الطريق على كل من يحاول التطاول عليها أثناء بحثها عن طعام أو مياه، لكن طلبها دائمًا ما يُقابل بالرفض “بقول لزوجي أنا بنهان لما بطلع أجيب الشغلة، بيحكيلي: انتي ست، بيغلطوا مرة وبعاودوا يسكتوا، أما أنا لو رحت بتكبر المشكلة”. وهكذا يكون العذر أقبح من الذنب ليترك زوجته تصارع بين نفوس ضعيفة. وأمام رفضه فقد تحملت أفنان أعباء فوق طاقتها مما كان سببًا في إجهاضها في ظل انعدام المواد الصحية “أجهضت بسبب الشغل ونقل الميا والإرهاق، وما لقيت حتى فوط صحية، صرت أستخدم شرايط”.
يزيد زوجها الأمر سوءًا في إجبارها على ممارسة العلاقة الزوجية لفترة طويلة فتتحول إلى فرض وعنف وإهانة “بتألم بس هو ما بيستوعب وبيكمل، لو طلع صوتي من الوجع بيضربني. بأوقات بنام خلال الجماع من التعب، بيصير يخبطني ويقول: أنا جايب كيس زبالة!.. حيطة!”، وتضيف “العلاقة لما تصير بطريقة مسيئة مش زي أي زوج وزوجته بشكل طبيعي بتضايق وبصير أبعده عني، لأنه ما بيقدّر وما بيفرق معاه حاجة”. يحدث هذا على مسمع من باقي النازحين الموجودين داخل الصف في مدرسة الإيواء، حيث لا يفصل العائلة عن الأخرى سوى قطعة رقيقة من النايلون، حتى صارت تتعرض لمضايقات من جارها في الصف ” بيقولي: اعتبريني زوجك بكل حاجة، أعطيني بعطيك. لما تطلع مرته بيجي يحكيلي تعالي عندي”.
تحاول أفنان الابتعاد عن كل من يحاول التعرض لها، لكن حياة النزوح بما فيها من انعدام خصوصية، تفرض عليها واقعًا لا مناص منه، تقول “لقيت جاري فاتح فتحة صغيرة في الشادر اللي بيننا وبيراقبني وأنا بغير ملابسي”، وتكمل بانعدام حيلة من ضاقت به السبل “سكرت الفتحة وعملت حالي مش عارفة”.
عند سؤالها عن أكثر ما يقلقها، قالت بصوت تخنقه الدموع “بنتي.. أكتر من مرة تصحى وقت العلاقة، تاني يوم تحكيلي أنا كنت صاحية وشفتك. ما بعرف شو بدي أحكيلها. البنت لسه صغيرة وبفترة مراهقة، خايفة تمر بتجربة غلط. كذا مرة أقول لزوجي الأولاد بيصحوا، على الأقل اطفي الضو! بس ما بيقبل”.
أفنان مشخصة بالاكتئاب من قبل العدوان، ومع بدايته فقد اضطرت للتوقف عن أخذ علاجها لعدم توفره بسبب الحصار الممنهج على القطاع، ومع سوء الوضع المعيشي وتعرضها لأحداث صعبة فقد تدهورت حالتها النفسية وصار لديها أفكار انتحارية وكذلك محاولات للانتحار “كنت بدي أرمي حالي أنا وابني تحت السيارات لأنه طلب مني خبز وأنا ما معايا أجيبله. حاولت قبل هيك أنتحر وشربت دوا، صرت أهلوس ونظري راح”.
روت أفنان قصتها وهي نازحة، ومجوّعة ومعنفة، ووحيدة دون ملجأ لها أو سند. “الحياة مش كويسة معايا” كان هذا آخر قولها كما بدأته، بنفس العينين الغائرتين والممتلئتين بكل شيء إلا من الأمل.