من بينِ ثنايا مركزٍ لإيواءِ النازحين، أقبلت علينا رانيا تُحاول أن تداريَ تعبها خلفَ ابتسامة، لكنّ قسماتِ وجهها المُنهك وتجاعيدِ يديها التي توقدُ نيرانَ الطهي، وتغسلُ الملابسَ، وتعجنُ الخبز، توحي بما تقاسيه رانيا من أعباءٍ تُثقل كاهلها.
تُعاني رانيا من عنفٍ يُصَبُّ على جسدِها من قبلِ زوجها المريض الذي يجدُ فيها متنفساً لتفريغِ عصبيته وأوجاعِ مرضه تقول رانيا: “أكثر مشكلة في حياتي في هذه الحرب هي مرض زوجي والتعامل اللي صار يعاملني إياه صار يبهدلني ويهيني من شدة المرض اللي فيه صار يبهدلني ويضربني كان منيح معايا بس بعد المرض صار يبهدلني ويهينني كتير”
وتكمل بنبرة متعبة: “جوزي بضربني قدام الناس اللي في المدرسة صحيح إني بتوجع وبنهان وبنضرب وبقبلهوش على حالي بس بقول الله يشفيه والستات اللي حواليا بيسكتوا وما بيقدروا يعملولي اشي بس أنا بنحرج قدامهم لإنه في منهم قد بناتي وفي منهم كان يشمتوا فيا ويتمنوا هذه اللحظة لإنه جوزي ما كان يرحمني نهائي نهائي”.
رغمَ الفقرِ وضيقِ الحال تحمَّلت رانيا مسؤوليةَ رعايةِ أسرتها لتسدَّ مكانَ زوجِها المريض ولتحاولَ توفيرِ أهم احتياجات ابنها الوحيد متغاضيةً عما سيتبعُ ذلكَ من أذى سيؤثرُ سلباً على جسدها. “جوزي كان بده يطلع برا قبل الحرب بيومين عشان يتعالج واجت الحرب علينا والحمد لله الوضع كل ماله بسوء بزيادة وأنا مسؤولة عن كل اشي طول اليوم وكل الأعباء عليا وأنا اللي بتابع الكابونات لما بتطلعلنا وغير هيك بهتم بجوزي ووالله بضل أعيط وآخر النهار كله بينعكس على صحتي وبضطر آخد أدوية وعلاجات من الوجع والحمد لله شو بدي أقول أكتر من هيك الوضع عنا تحت الصفر”.
تطرقُ ايمان كافةً الأبواب في محاولةٍ لتوفيرِ الطعام لها ولابنها ولزوجها الذي يحتاجُ طعاماً معيناً في ظلِّ انقطاعِ الأدوية وانعدام الخضراوات والفواكه في شمال قطاع غزة المحاصر وسط تقاعس وخذلان القريب والغريب. تقول: “جعت اللقمة خلال الحرب وشفت الأمرين وما رضيتش أخلي ابني يطلع يروح على دوار النابلسي يجيب طحين ويخلف على تعون المدرسة كلهم كل واحد يجيبلي الطحين ويحكيلي تفضلي يا أم محمد لما خلوا ابني يبكي من الحزن ومن قلة الحيلة بس مش مهم المهم ما يجراله حاجة وربنا بوقف ولاد الحلال دائما” وتضيف: “جوزي والله لازمه أكل وشرب وخضار واحنا هان في الشمال فش أكل منيح وفش خضار وصارلها أشهر بتدخلش والحمد لله جوزي الصحة عنده بالنازل وأنا لولا شيك الشؤون اللي كنت قبل أصرف منه أما هلقيت بطلنا نأخذه عشان الحرب وعايشين على الكابونات والمساعدات اللي بوزعوها علينا في المدرسة واخوتي ما بتعرفوا عليا بالمرة هما بالجنوب وأنا هان بالشمال”.
رغمَ كل ما تفعله رانيا من حُسنى إلا أنه يُقابَل بالإساءةِ والضرب، تُحاول هي أن تهونَ على نفسِها وتدعو دائماً لزوجِها بالشفاء العاجل ” مع هم الحرب طلع الأول والآخر عليا لما بعصب وبحس إنه بده يضربني بحاول أهديه بصير أقوله أنا ايش عاملة فيك كل اللي بتعصبه من المدرسة وإدارتها بتحطه فيا أنا ليش؟ بيسكت وببطل يتكلم بعديها خلص بروق أنا بعيط على زوجي رغم ألمي منه لأنه بضل جوزي أبو ابني”.
“أنا عانيت كتير أنا عانيت كتير كتير ولا وحدة عانت قد اللي عانيته أنا وكل أهل الشجاعية بيقولولي يخلف عليكي اللي تحملتي الحمل هادا وجوزي هلقيت الصحة عنده تعبت صارله كم يوم الله هاديه علينا وبقول يا رب اشفيه يا رب اشفيه بس عشان هالولد بس عشان أفرح في هالولد ونعيش بأمان هادا كل اللي بدي إياه والله ما بدي حاجة”.
وسط ما تقاسيه تُحاول رانيا أن تجعلَ من محنتِها منحة وتبحثُ في كلِّ مرةٍ عن الخيرِ الكامنِ في كل قدرٍ مكتوب وتتمنى صلاح حالها وحال بلادها مع رفضَها القاطع للنزوح وتركِ حي الشجاعية مكان سُكناها وأصلَ وجودها. قائلة: “أنا ما برضى أعيش إلا بالشجاعية الشجاعية أصلي وفصلي وحياتي”.