أغسطس 27, 2025
بين براثن الصمت
بين براثن الصمت

لم يكن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يمثل بذرة المعاناة في حياة سمر، لكنه كان سببًا في تفاقم الأزمة.

سمر، يختلف التعريف عنها باختلاف السامع، فمن وجهة نظر المجتمع وأسرتها هي فتاة عزباء، ولكن الحقيقة التي تعرفها سمر وبعض الأفراد الآخرين هي أنها أم. تعرضت سمر للاغتصاب من قبل ابن عمها، وقد تكرر الفعل تحت التهديد بالفضيحة، حتى كانت نتيجته إنجاب طفل بالسر، لا اسم له ولا وثيقة رسمية.

توضح سمر نمط حياتها “أنا أغلب وقتي عند دار عمي في الجنوب، عشان بنت عمي مريضة. أمي دايمًا بتقلي روحي عندها، بقعد شهر شهرين وبرجع عند أهلي 10 أيام”، ونظرًا لغيابها المتكرر وولادتها المبكرة، لم يلحظ أحد تغيرات عليها.

عند اندلاع العدوان كانت سمر عند عائلتها في شمال القطاع، وعاشت فترة المجاعة التي أدت لتدهور صحتها فاضطر والداها لإرسالها للجنوب وحدها عند عمها “الوضع كان كتير صعب وبعدها أنا نزحت على الجنوب، اضطروا أهلي يطلعوني لحالي لأني تعبت ونزل وزني كتير”. وهنا كانت نقطة التحول، حيث استغل ابن عمها عدم وجود محاكم شرعية وعقد قرانه عليها دون علم أحد، تقول سمر “بعد ما نزحت عندهم، أبويا حكى لعمي: انت مسؤول عنها. استغلوا إنه ما في محكمة وعلى أساس إني صرت مسؤولة من عمي تم الزواج عند المأذون، ومحدش عرف غير أهله”.

رغم إتمام الزواج، إلا أن سمر لا تجد فيه زواجًا طبيعيًا ولا مقبولًا بالنسبة لها. كان كل شيء فيه هشًا، وجر معه مشاكل أخرى “حياتنا كلها مشاكل وضرب وإهانة، كل جسمي علامات من الضرب”، تصمت ثم تكشف عن يديها الممتلئتين بعلامات تحمل كل منها قصة، تشير لكل واحدة منها على حدة وتقول “هنا محل السجاير، وهنا محل السكاكين، وهنا محل الغرز”.

يأتي تصرفه وتعنيفه نتيجة رفض سمر للعلاقة الخاصة، وهو الأمر الذي تراه يفوق قدرتها على التحمل كما تقول “مش متقبلة الموضوع ولا متقبلة اللي أخده مني حتى لو تزوجني بعدها. مش مقتنعة بالزواج وبحس كلشي بعمله حرام بحرام لأنه أبويا بيعرفشش فيه وما وافقش”، وتضيف “بده ياخد العلاقة بالغصب وأنا مش متحملة كل مرة ياخدها بالغصب”.

ولا يتوانى زوجها عن استخدام الأدوات الحادة والضرب المبرح في سبيل حصوله على ما يريد، تقول سمر “كذا مرة أروح على المستشفى بسبب الضرب. بيسخن الموس ويحطه على ايدي. السجائر يطفيهم بجسمي. بيحبني بس قدام شغلته بيقلب على وجه تاني”. وهذا كله ليس أسوأ ما يمكنه فعله، بل تمادى لما هو أفظع في تعذيبها، حيث استخدم أدوات حادة ليؤذيها في أعضائها التناسلية وهو ما احتاجت على إثره لنقلها للمستشفى وتغريزها “لما يسألوا بالمستشفى أقول بسبب إني عروسة جديدة. مكنتش أقدر أحكي أو أطلب مساعدة من حد لأنه هو اللي كان ياخدني”.

تجد سمر نفسها اليوم أمام خيارات كلها تؤدي إلى نفس النتيجة، فلا شرطة تستنجد بها في ظل العدوان، وحتى إن وجدت فلا تستطيع تقديم شكوى لأنها تخاف العواقب “لو بدي أشكي للشرطة، قريبي بيشتغل فيها ولو عرف جوزي بيطير رقبتي”. وحتى عائلتها لا يوجد بها من تلجأ له ويحميها “ما فكرت ألجأ لحد من أهلي. إخوتي وجودهم وعدمه واحد، بيحبوا المشاكل وبس بدهم يمسكوا علينا -البنات- ممسك. إمي ما بحسها إنها إمي، حتى لما بتحكي معي بتكون بوادي تاني”، وتضيف “مش عارفة لو أهلي عرفوا شو ممكن يعملوا، بس حاطة أسوأ الاحتمالات.. الموت”.

يستغل زوجها عدم وجود سند أو مدافع عن سمر ويستمر بتهديده لها، تقول “كتير حكيتله إني بدي أتطلق، بيصير يهددني يفضحني”.

لكنها رغم كل هذا، لم تعد تستطيع البقاء كزوجة له. لا تطلب سمر أكثر من حقها بالطلاق، وأن تتخلص من ظل رجل لا ترى فيه شيئًا آخر غير كونه مغتصِب. لكن تبقى مشكلتها في كيفية مواجهة المجتمع وعائلتها، وكيف ستتمكن من النجاة من عواقب فعل لا ذنب لها به ومن سيقوم بحمايتها في ظل غياب القانون والمساءلة.

Other Topics