دخلت فاطمة الخيمة بجمالها الأخّاذ، وجلست مقابلي على استحياء، ثم تكومت حول نفسها كمن يريد الاختباء. انزوت في عالمها الخاص وهمومها وأفكارها، فلم تبادر حتى بادرتها أولًا، فاستجابت بأسرع مما توقعت، كغريق تعلق بقشة ثم فتحت قلبها وأخذتنا معها إلى عالمها.
بدأت فاطمة قصتها بما كسر ظهرها “أكتر إشي أثر فيّا وتفاجئت فيه هو زواج زوجي عليّا”، ثم صمتت برهة كمن يسترجع شريط حياته، وأكملت “في بداية حياتنا كان في تدخلات من أهل زوجي، لما مد ايده عليّا فتّح عيون أهله، وصاروا أخواته يهاجموني”. استمر العنف أعوامًا من قبل الزوج وأهله بما لا يتحمله عقل، ومع هذا تقول “صبرت عشان أولادي، مش حابة أخرب بيتي”، وتضيف “كان مفكر بالزواج بس مش ملاقي مبرر فبده يخلقه، هجرني سنة كاملة ويقول لأهله عني مش نظيفة ليزوجوه، بعدها طردني، وأنا عند أهلي خطب وحدة تانية”.
على إثر هذا، قررت فاطمة طلب الطلاق ورفعت دعوى أثاث منزل واسترداد مصاغها الذهبي وحضانة طفلتها الصغرى، وكانت كسبت حضانة ابنتها وتفرق أبناؤها الستة بين كلا الوالدين، وقالت بحسرة “ضل معايا ولدين وأخذت حضانة البنت الصغيرة”.
ومع بدء الحرب، ازدادت معاناة فاطمة، فكلما حمي وطيس الحرب اشتعل قلبها خوفًا على أبنائها، خصوصا الطفلة الصغيرة، وقالت بوجع: “أخدها مني بالحرب على أساس زيارة وما رجعها، صرت أحاول أرن أطمن على ولادي، لكن هو بيحكي للناس بترن عليا عشان تكلمني، وتتابع “كنت أخاف كل ما أسمع عن أي إشي صار بالمكان الموجودين فيه، كل شهرين يخليني أكلمهم مرة، مرة كلمتهم عشر دقايق ومرة سمعت كيف حالك يا ماما وانطفى الجوال بوجهي، بس مش مشكلة، المهم سمعت صوت بنتي واطمنت إنهم بأمان”.
ومع طول أمد الحرب، تطول معاناة فاطمة بسبب توقف المحاكم عن العمل، لأنها معلقة وليست مطلقة، وعلمها بأن أبنائها يعيشون مع زوجة أب تسيء معاملتهم يزيد ألمها، إلى أن جاءتها ابنتها حاملةً البشريات. وأفصحت فاطمة “مرة اجتني بنتي مبسوطة بتقلي بابا طلقها عشان خبطت أخويا براسه، وولعت بالمكان اللي نايم فيه، وفتحت الموس على رقبة أختي”، تعلق فاطمة بحسرة وقهر قلب أم “إذا بدها تموت أولادي خليهم عندي، بس كمان أنا مش عارفة كيف أصرف عليهم ولا على حالي”، وتضيف “إبني صار عنده مشاكل بالأعصاب، جابولي إياه على كرسي متحرك، فكرته معاق ما بيقدر يرفع ايديه، ضليت أعالج فيه شهر ونص، كنت شوية وراح أشحت حتى أعالجه”.
طوى زوجها فصل زواجه الثاني وقرر العودة لفاطمة، تقول في هذا “حاول يرجعني مقابل التنازل عن كل القضايا المرفوعة ضده من طرفي، أهم إشي الذهب أتنازل عنه”. ولم يتوقف الأمر عند الاشتراط على ما لا يحق له، بل استخدم أبنائه كوسيلة ضغط لتضعف فاطمة أمامهم وتستسلم للأمرالواقع، فتعود لما كانت عليه ( حياة مملوءة بالعنف بكل أشكاله) مع التنازل عن حقوقها، وتقول “بيبعتلي ابني مكسر تكسير عشان أرجع، كان يحكيله احكي لأمك ترجع، ابني يحكيلي ارجعي يا ماما، بابا مش حنون عليا”، وتضيف “خلى ابني يتصور مع الشخص اللي اغتصبه وهو صغير عشان يبعتولي الصورة وأتحسر على ابني”، وكذلك ابنتها لم تسلم “بعتلي مع بنتي نقعد نتفاهم، طلعت أعرف شو بده عشان خاطر أولادي، بعد ما بنتي عيطت عياط تترجاني أطلع معه، تقلي أبوس رجلك يا ماما اطلعي معاه”. وحتى بعد موافقتها على مقابلته، لم يتوقف عن ابتزازها، ففاجئها بقوله إنه لا يوجد مراكز ومؤسسات حقوقية أو محاكم تعمل في الحرب “على الفاضي، ما بتقدري تعملي اشي”.
فاطمة تقف الآن على مفترق الطريق، لا تدري في أي المسارين تجد سكينة قلبها، هل تستمر في التشبث بقرارها بالطلاق؟، أم إعطاء زواجها فرصةً أخرى ؟، وتخاف ألا تجد الراحة في أيٍ منهما. لكن خوف خسارة أبنائها يطغى على كل شعور. لا مجال للمغامرة الآن، ويبقى السؤال مفتوحا دون إجابة، كيف السبيل للاختيار؟