أغسطس 12, 2025
جحيم أبي
جحيم أبي

في بناء مهجور لا عمدان له وفي منأى عن أنظار وأسماع الناس بدأت قصة (لمى)، وهي سيدة مطلقة منذ عدة أعوام تحملت فيهم مسؤولية طفليها.

مع بدء العدوان، نزحت (لمى) وعائلتها إلى جنوب قطاع غزة، وعندما فُتح طريق العودة إلى الشمال، عادت وحدها مع طفلين دون معيل ولا أهل ولا مأوى “لما فتح الطريق أبويا حكالي ارجعي لحالك وخدي أولادك لأهاليهم، مش قادر أتحمل مسؤوليتهم”.

لم تكن لمى تعرف أن عودتها ستكون بداية مأساتها “عانيت أسبوعين بالشمال، الله يعلم كيف عشت بدون أهلي وما معيش إشي ولا إلي حد، أولها قعدت أنا وأولادي بالشارع لأنه أبوهم رفض ياخدهم”. اتخذت (لمى) من مبنى مقصوف مأوى لها، ثم سمعت بخبر قدوم والدها للشمال “فرحت.. قلت يمكن ضميره أنبه وهيحكيلي تعالي روحي معايا. استقبلته ودبرت أكل”. لكن ما حصل كان عكس ما تمنت، أعطاها مبلغًا من المال ثم غادر واعدًا بالعودة ليلًا.

في تلك الليلة، وبعد نوم أطفالها، شعرت بوالدها يقترب منها، ومع اقترابه انتفضت ذاكرتها وعادت بها إلى طفولتها “عندي عقدة من أبويا، كان يتحرش فيا وأنا صغيرة”. خافت لمى أن يعود لما كان عليه من تحرش بها فحاولت الابتعاد “اجيت أقوم فمسك رقبتي وخنقني بالمخدة وحكالي: اسكتي بدي أبسطك، صرلك سنين محرومة!”. تعلق لمى بحرقة وتصف صدمتها “أسمع هيك كلام من أبويا يعني طلع ما بيشوفني على إني بنته!”، وتكمل “صار يضربني، ما قدرت أبعده عني. مارس العلاقة كاملة كأني زوجته”. غادر والدها صباحًا ودخلت لمى في حالة انهيار “صابتني هستيريا وصرت زي المجنونة، الموضوع كان صعب لدرجة كل يوم أطلع على تلة وأفكر كيف أخلي ولادي يستقروا وبعدها أنهي حياتي”.

بعد ثلاثة أيام من حادثة اعتداء والدها عليها، لم تكن (لمى) قد خرجت بعد من حالة الصدمة والانهيار، لكنها فوجئت بوالدها أمامها، ورغم صدمتها إلا أنها كانت واضحة وحاسمة في مواجهته “قلتله اوعك تفكر تقرب مني، لو بدك تموت مش هتلمسني”. فكان رده “غصب عنك هيصير”. حاولت (لمى) مقاومته بكل ما أوتيت لكنها لم تتمكن من مجابهة قوته ومنعه، وكان ما كان منه في أول مرة.

قررت (لمى) أن تنتقل من مكان نزوحها إلى مخيم لإيواء النازحين، فلا يعرف مكانها ولا يتمكن من الوصول إليها “المكان اللي قاعدة فيه فش حواليا خيم ولا جيران، وهادا اللي مشجع أبويا على اللي بيعمله إنه ما في حد بيسمع. أخدت أولادي على مخيم وضلينا فيه ما بنطلع ولا بننزل، بس بعد أيام صدر أمر بالإخلاء للمنطقة الموجود فيها المخيم، فاضطريت أرجع على مكاني الأول”.

ومع عودتها، عاد والدها للقدوم والاعتداء عليها، وزاد في تهديدها إن رفضت التجاوب معه “حكالي يا بترضي فيا وبعيشك مرتاحة وأولادك معك وبعطيلك اللي بدك إياه، يا برميك من فوق وبقول لقيت معاها واحد ومش راضية تروح معايا، محدش هيلومني، أنا لو انفضحت بنفضح سنة والناس بتنسى!”.

لم تتقبل لمى الأمر الواقع وكلما ظنت أنها وجدت حلًا أُغلقت الأبواب في وجهها “صرت زي المجنونة أدور على حلول. إجاني عريس ٦٠ سنة، قلت مش مشكلة انه ختيار المهم يبعدني عن أبويا، قبلت فيه، بس أبويا رفضه وقال: انسي إنك تقدري تتزوجي”، وتكمل “حاولت أحكي لامي بس رفضت تسمع لأنها كانت حاسة”. وعلى الجانب الآخر، تخاف من تقديم شكوى ضده “مش قادرة أرفع عليه شكوى لأنه أنا اللي هنفضح ومحدش هيصدقني”.

في النهاية، وبعدما رأت أنها استنفذت كل الحلول، لم تعد ترى أمامها سوى أن تضحي بحياتها لتنقذ نفسها من وحل وشرور أبيها “أخدت علاج القلب تبع أبويا كله، ما كنت مفكرة بإشي، كنت بس بدي أرتاح. لحقوني على المستشفى وحكوا لو ما لحقناها كان القلب وقف”. ورغم محاولة انتحارها، إلا أن هذا لم يزد والدها إلا تعنتًا وظلمًا “حكالي اوعك تفكري إنه اللي عملتيه هيمنعني!”، وأخبرها أنه ينوي أخذها معه إلى الجنوب، لا لتعود بين أهلها كما تمنت، بل لتكون تحت ناظريه “حكالي هعيشك لحالك ومرتاحة.. بس ترضيني! ولو فكرتي ترفضي هقول إنك انتحرتي عشان أنا بدي أسترك وأخدك معي وانتي بدكيش”.

وعلى هذا، تبقى (لمى) تواجه جحيمين: جحيم والدها الذي انتهك حرمة أبوته، وجحيم الخوف من فضيحة مرتقبة.

من المؤسف أن استمرار غياب أجهزة العدالة عن العمل في قطاع غزة بسبب العدوان عقبة حقيقية أمام لمى لأنها لن تستطيع أن توقف اعتداء والدها عليها إلاّ بتقديم شكوى رسمية ضده ومحاسبته أمام القانون.

Other Topics