أغسطس 30, 2025
جرحٌ فوقَ جرح
جرحٌ فوقَ جرح

لم تشفع لها إصابتها التي أعجزتها عن الوقوف لأسابيع، ولا الحروق الظاهرة على يديها، أمام قسوة والدها، إذ أصبحت تتعرض للعنف الجسدي وسوء المعاملة، وتحمَّلت مسؤوليات تفوق عمرها وقدراتها، دون أي حماية اجتماعية.

عاشت جمانة أسابيعاً صعبة بعد الاستهداف الذي أصابها مع أخوتها أثناء العدوان على قطاع غزة، نجت من الموت بأعجوبة، لكنَّ آثار تلكَ اللحظة ما زالت تسكنُ جسدها وذاكرتها، تروي جمانة تفاصيل ذلك الحدث الصعب قائلةً: “أنا كنت ساكنة في شمال بيت لاهيا شمال القطاع بعد يومين من الحرب طلعنا من دارنا بعد ما صار قصف مفاجئ للعمارة وضربوا علينا قنابل دخانية فطلعنا أنا وأهلي نجري من المنطقة ورحنا على مركز إيواء قريب”.

وتضيف: ” قعدنا ودبرنا أمورنا فبعد بفترة أخويا حكالي خلينا نرجع بلكي لقينا اشي من الدار رحت معاه أنا وأختي ويادوينا وصلنا صار استهداف وتصاوبنا احنا الثلاثة أنا رجلي بتنزف وأخويا تصاوب وبنزف وعلى طول أخدونا بالإسعافات على المستشفى وبعد يومين أخويا تدهورت حالته واستشهد وأنا وأختي طلعونا بالإسعاف على الجنوب لأنو مستشفيات الشمال تحاصرت وهناك ما خلينا مستشفى إلا رحتله عشان أتعالج لأنه الالتهابات كانت واصلة عندي للعظم”.

فقدت جمانة بيتها وشقيقها في غمضةِ عين، ولم تتوقف معاناتها عند هذا الحد، إذ واجهت نقصًا حادًا في المستلزمات الطبية اللازمة لعلاج إصابتها بسبب إغلاق المعابر ومنع الاحتلال دخول المواد الطبية، ما أدى إلى تدهور حالتها الصحية، فاضطرت للنزوح جنوب القطاع، وهناك واجهت فصلاً جديداً من المعاناة لم يكن بالحسبان، حيث تعرضت للعنف الجسدي واللفظي والإهمال من قبل والدها. تقول جمانة في هذا: “بعدين نزحنا على الدير وهناك بدأت المشاكل مع أهلي في مرة أبويا تقاتل مع إمي وإمي مريضة كانسر فأنا دافعت عنها قام ضربني بالعصاية وكسر إيدي ويومها كبرت المشكلة وشكيته لرجال المخيم”.

وتضيف: “ومن يومها وهو بضربنا وأنا دايماَ بتلقى الضرب عن خواتي بشفق عليهم لأنهم أصغر مني ولحتى الآن بعاني من وجع ظهري وهو مش راحمني وأنا بحمل جلان الميا وبعبي وهذا كله أثر على رجليا فبتعب وبضطر أروح آخذ من الجيران مسكنات وإن ما لقيت بطلع على المستشفى باخد إبرة”.

وتكمل: “أبويا قاعد معنا بس بدون وجود، بس قاعد للضرب والغلط، ولاد عمي كانوا يسببولنا ضرب من أبويا ويحكوا عنا بالعاطل وييجي بضربنا بالعصاية يا بالحديدة أو بمسك الكرسي برميه علينا أي اشي بشوفه بوجهه بضربنا فيه سابنا ٨ شهور لحالنا وطلع على خانيونس، لحالنا بنات وفش غير أخويا أبو ١٢ سنة”.

لم يكن أمامَ جمانة خيار سوى أن تتحمَّل مسؤولية أسرتها في أصعب الظروف، فاضطرت للعمل رغم إصابتها لتوفير لقمةِ العيش، وواجهت يوميًا العنف والتحرش أثناء سعيها لتوفير الخبز بينما يحملها والدها اللّوم بدلاً من حمايتها. تقول جمانة: “اضطريت أروح أشتغل أبيع خبز كنت أقف على طابور المخبز بالساعات وأنا مصابة ورجلي بتجعني بس ايش أعمل أنا الكبيرة وكيف بدهم يعيشوا أهلي وإمي مريضة كانسر كنت أبيع خبز بالمقدار اللي يكفي لأكل يومنا أطلع من الصبح أبيع الخبز وأشتري بحقهم اشي ناكله وأروح”.

وتكمل: “وأنا على طابور الخبز بتعرض للضرب والمدافشة وإيدي مصابة، وفي مرة تعرضت لتحرش جسدي وأنا صافة، ودايماً بسمع تحرش لفظي لما يشوفوا بنت طالعة لحالها تعبي والكلام بوصل لأبويا ويحكي آه هي هيك ما كان يدافع عني”. خرجت جمانة بقدمٍ موجوعة، لتواجه في طوابير الخبز ما لا يُطاق.

حتى في تفاصيلها اليومية الخاصة، لم تجد جمانة وشقيقاتها ما يستر حاجتهن أو يصون كرامتهن، إثر تقاعس والدهم عن توفير احتياجاتهن الصحية. تحكي جمانة: “احنا بنات والمستلزمات الصحية اللي بنحتاجها ما بوفرلنا اياها بنحرج أنا وخواتي وقت الدورة الشهرية وهادي الأشياء أصلا غالية ومش متوفرة بضطر آخد من الجارات وبخفف استخدامهم عشان أوفر لخواتي وهاد كله سببلي التهابات، أنا شايلة مسؤولية خواتي وفوق هذا كلو ما في احترام دايماً ضرب وغلط”.

تعيشُ جمانة في بيئةٍ تفتقرُ إلى الأمان والرعاية، فواقعها يعكسُ حجم التحديات التي تواجهها فئةً من الفتيات إثرَ العدوان على القطاع، دونَ سندٍ أو حماية.

Other Topics