أغسطس 27, 2025
جرح لا يراه أحد
جرح لا يراه أحد

لبنى أم لثلاثة أطفال، كل منهم يواجه تحديًا صحيًا مختلفًا، وتواجه هي تحديًا مجتمعيًا آخر. في بيت يفتقر للدفء والأمان، تعيش لبنى مع عائلة زوجها بعد أن حرمها العدوان الإسرائيلي من بيتها، وأصبح لديها بدل البيت غرفة واحدة، وبدل الاستقرار عنف متزايد.

زوجها من ذوي الإعاقة، سلبت منه الحرب مصدر دخله الوحيد، فتحول من زوج حنون، إلى شخص عصبي لا تعرفه، تقول “جوزي كان حنون، بس انقلب شخصية تانية بالذات لما فقد شغله. صار عصبي وبقدرش أحكي معاه كلمتين، كلشي بيبهدل ويغلط ويضرب ويأذي” وتضيف “بيضرب بشبشب، بايده، ضربته قوية. ممكن يمسكلي أدوات حادة، مرة مسكلي سكينة. ومرة ضربني بعصاية على ضهري وأنا أصلًا ضهري بيجعني من حمل الميا”.

صارت لغة الحوار بينهما هي العنف والضرب والإهانة، ولا يهتم بوجود الأطفال من عدمه “بيكونوا ولادي موجودين، ابني اللي معه إعاقة ذهنية بيصير يضرب أبوه، فيحكيله: بدي أكسر راس إمك وأجيب وحدة تانية”، تعلق لبنى بنبرة من لم يفهم ولا يريد أن يفهم معنى تلك التهديدات “فوق ما أنا مكملة معاه على الحلوة والمرة، وبطلبش منه اشي، كمان بيزيدها عليا!”

بسبب وضع زوجها الصحي، فتضطر لبنى للقيام بكل شيئ حتى الانتظار على الطوابير، دون أن تحظى بأي تقدير، وزيادة على هذا وذاك فهي تواجه مضايقات لا تطيقها لكن ما من خيار آخر أمامها “بسبب إعاقة جوزي، أنا اللي بوقف على الدور، وبعبي ميا، وبروح للخبز، وبتعرض لمواقف تحرش. برجع مخنوقة بس ايش بدي أعمل؟”

لم تقتصر سوء المعاملة على زوجها، بل تجرّأت عائلته عليها، تقول “أهل جوزي بيعملوا حساب لسلفاتي لأنهم بيتحاموا بأزواجهم، بس أنا جوزي شخصيته ضعيفة وبيدافعش عني. بيقدروا يضحكوا عليه بكلمتين ويكذبوني”.

بين تهميش وضرب وتهديد، تعيش لبنى حياتها مع من لا يرحم. في إحدى المرات، وبعد خلاف حاولت فيه سلفتها اتهامها زورًا بما لم يصدر منها، تهجم عليها سلفها “سلفتي جابتلي جوزها وفش حد بالبيت غير أخت جوزي، بدي أختصر المشكلة وأطلع لقيت سلفتي بتشدني وسلفي هددني وخبطني بوجهي صار أزرق”، بعدها، طلبت لبنى من أخت زوجها أن تشهد معها على ما حصل وكيف تهجم عليها، لكنها أنكرت ما حدث “حكيت لأخته تشهد إنه ضربني بس طلعتني كذابة. لما اجى جوزي حكوله مرتك كذابة وهنطردها من الدار”.

تُحرم لبنى من أبسط حقوقها الطبيعية، حتى المياه “ولادي التلاتة بيعملوها على حالهم، ولما أنضف وبدي أستخدم الميا بيوقفلي عمي وبيرضاش. صرت أستناه يطلع وأتشاهد عشان أقدر أستخدمها”.

يضيق الخناق على لبنى من كل جانب، ولا يوجد مصدر دخل يكفيها، تقول “ساعدت حماتي بالعجين، قلت يمكن تعطيني رغيف، ورغم هيك ما أعطتني”. تتمنى لبنى لو يشفقوا على أبنائها ويطعموهم حتى وإن اعتبروها “صدقة جارية” كما تقول، لكن ما من مجيب. وإن فعلوا أهانوها وعايروها “بيعايروا على الأكل، في حد بيعاير؟ بيطعموا أولاد ابنهم مش الي!”

وفي المقابل، كلما استطاعت توفير بعض الطعام بصعوبة، لاحقوها فيه “لما أجيب من أهلي معلبات لولادي أطعميهم، تستلط عليا حماتي بدها منهم. بدل ما هي تعطيني بتاخد أغراضي اللي جايباهم شحتة!”

لم يعد بمقدور لبنى التعامل مع أي منهم، بمن فيهم زوجها، تقول “اعتزلتهم تمامًا لأني تأذيت منهم، بديش علاقات مع حد منهم. وصلت لمرحلة إني هجرت جوزي”. تفكر لبنى بالطلاق، لكن لمن تترك أطفالها ولمن تلجأ؟ “فكرت بالطلاق بس زعلت على ولادي، محتاجين رعاية مني، لمين بدي أسيبهم؟ ومش عارفة وين أروح، أهلي وضعهم صعب وفي مشاكل، مش قادرة أزود عليهم مشكلتي”.

“يا رب أستشهد، والله تعبت. صرت أكلم حالي من كتر التفكير، خلوني شخص مجنون”. لبنى مشخصة بالاكتئاب، وتراودها أفكار انتحارية بسبب الصعوبات التي تواجهها، دون أن تجد منها مفر.

تُنهي لبنى قصتها بقولها “أختي اللي استشهدت كانت سندي، لو كانت موجودة كان هيكون كلشي هين”، وتغادر وهي تتحسر على كل ما سلبه منها العدوان الإسرائيلي: أختها وبيتها واستقرارها وحتى حنان زوجها.

Other Topics