أغسطس 19, 2025
خلفَ الحدود تُركت أرملة
خلفَ الحدود تُركت أرملة

من سوريا إلى غزة، كانت وجهة السفر الأخيرة، حيث الحب الذي جمع قلبين من بلدين فرقتهما الجغرافيا، وجمعهما حلم بناء بيت دافئ، وعائلة صغيرة تكبر بالحب والضحكات.

بيلسان، شابة سورية تركت عائلتها ووطنها لتتزوج في غزة من رجل كان لها وطناً وملاذاً آمنًا، عاشت معه سنوات جميلة، وأنجبت طفلتين، فغدت حياتهما عامرةً بالدفءِ والسعادة، تقول بيلسان: “أنا سورية جيت من سوريا قبل١٠ سنوات، تعرفت على زوجي ونزلت غزة لحالي بدون أهلي لأنهن رفضوا يدخلوا إمي معي وأبوي سوري ما بقدر ينزل هون، وتزوجت وأنجبت بنتين وكانت حياتي غير شكل كتير حلوة كان معوضني عن غربتي ووجودي لحالي”.

واجهت بيلسان بعض الصعوبات من قبل عائلة زوجها، فلم تكن تحظى بالخصوصية الكافية، لكن زوجها كان دائماً سنداً ومدافعاً قوياً عنها، إلى أن مرت الأيام وعاشت بيلسان ظروف العدوان على قطاع غزة، والذي خلَّفَ لها وجعاً سيرافقها طيلةَ حياتها، تحكي بيلسان: “من بداية زواجي عشت كم شهر في بيت حماي وعلاقتي فيهم ما كانت هالقد منيحة كان في بينا مشاكل وحماتي تتدخل فيي وبحياتي بس كان زوجي دايماً حاميني وهلقيت لما اجت الحرب انقلبت حياتنا أنا أول مرة أعيش هاي الظروف أنا حضرت حرب سوريا وكنت مفكرة إنها أصعب شي مر علي بس عشت هون ظروف أصعب”.

وتكمل: “من أول الحرب كان القصف كتير يرموا قنابل والصوت كان جنوني، وصار نزوح فاضطرينا نطلع على بيت قرايب زوجي، والظروف كانت صعبة فطلع زوجي يجيب للبنات أكل ولوازم وغاب ساعات واشتد الوضع، حاولنا نتواصل ما كان يرد علينا ولثاني يوم لما عرفنا إنهن ضربوا البناية اللي كان فيها واستشهد، الخبر كان صدمة عمري وما ودعناه ولا شفناه لأنه الوضع كان خطير بالمنطقة وبعدها أنا وبيت حماي سحبنا حالنا وطلعنا على الجنوب”.

في غمضةِ عين، تبددَ مشهدُ العائلةِ الصغيرة، ورحلَ عمودُ البيت وسنده، فقدت بيلسان زوجها دون أن تحظى بوداع أخير، ثم اضطرت للنزوح إلى جنوب قطاع غزة، حيث كانت المعاناة أثقلَ من قدرتها على الاحتمال. تتحدث بيلسان قائلة: “أنا مليش حد هون ولما نزحنا حماتي كانت تخلق مشاكل من ولا شي قعدت عندهن ٥ شهور وصار مشاكل وتتدخل فيي وببناتي قام آخرها اجا سلفي بده يمد ايده عليي وضرب بنتي وما خلى مسبة ولا دعوة إلا حكاها ولما حكيت مع حماي قلي مو عاجبك اطلعي من هون”. وتكمل: “طلعت من عندهن ودبرت حالي أنا وبناتي بخيمة لعند ما رجعت على غزة رحت على بيتي اللي بالإيجار واجا معي قريب زوجي وسكرلي البيت بالشوادر وركنت حالي وقاعدة أنا وبناتي هياتنا”.

أصبح على عاتق بيلسان أن تسعى وراءَ حقوقِ طفلتيها اليتيمتين، وتحقق لهما متطلباتهما المعيشية، بعدما وجدت نفسها وحيدةً في مواجهةِ مسؤولياتٍ ثقيلةٍ دونَ سندٍ قانونيٍ أو اجتماعي، فقد حُرمَت الطفلتان من الكفالات والمساعدات؛ بسبب تحكُّم الجد الذي يُعد الوليّ الشرعي لهما، دونَ أن يمارس هذه الولاية بما يحقق مصلحتهما، ولا يمنح الأم حقها المشروع في رعايتهما. تحكي بيلسان: “هلقيت رحت أقدم للجمعيات عشان بناتي بما إنهن يتيمات صارن وهني ما بيقبلوا إلا حجة وكالة في شؤون الولاية كل ما أروح لجمعية يحكولي وين الحجة أقلهن ما معي لأنه حماي ما بده يعطيني اياها حاولت وبعتله ناس على القليلة بدي أعيش أنا والبنات وعلى الفاضي”.

وتضيف: “حماتي قاعدة بتدور على الجمعيات عشان بدهن يستفيدوا من مال اليتيمات، من وقت ما استشهد زوجي لليوم ما بصرفوا على البنات ولا راضي حماي يروح على محامي يطلعلي الورقة ولا يعمل اشي، وأنا بطلعلي من راتب زوجي ومش قادرة أحصل منه شي”.

تحارب بيلسان الآن من أجل ورقة تمنحها حقها الطبيعي كأم، بعد أن باتت أموال طفلتيها اليتيمتين مطمعًا لعائلةٍ لا تكترثُ بحق الطفلتين، ولا ترى في أمهما سوى غريبة وأرملة لا تملك القدرة على الدفاع عن حقها.

تقول بيلسان: “هني ما بدهن اياني أسافر عند أهلي في سوريا لأنه الولاية مع الجد وهو ما بدو، مفكرين رح آخد البنات وأطلع بدون علمهن بقلهن طيب حطوا محامي يكون ممنوع السفر إلا بإذن الجد كمان ما بدهن جبت ناس تتدخل وعلى الفاضي”.

وتكمل: “ما كان زوجي مستشهد إله يومين صارت حماتي تقلي أنا بطلعلي من راتب ابني صرت أقلها يا ريته ضل زوجي ولا بدي مصاري الدنيا صارت تقلي بس عشان انت ما بتعرفي بالقوانين هون، بتحججوا إني غريبة وما بعرف بقوانين البلد، أنا بسعى هلقيت كرمال هاي الورقة عشان أقدر أجيب راتب زوجي وأقدر أعيش بناتي لقدام، كرمالهن بدي أعمل كل شي، صح استشهاد زوجي كسر ضهري وصرت عايشة بغربتين مش غربة وحدة، بس مش حتنازل عن حقي وحق بناتي”.

Other Topics