في أحد مخيمات النزوح، ومع جلبة حركة الأقدام وتداخل الأصوات بين الخيام، تبدو عائشة حائرة ومستكينة، لا تشبه مخيمها إلا في بؤسه كما يصفه أحد النازحين فيه.
تُجيبني عائشة بتنهيدة وحيرة بعد أن سألتها عن حالتها الاجتماعية “متزوجة، لكن اتطلقت طلقة واحدة في الحرب، وحاليًا أنا بمكان وهو بمكان”. لا تعلم من أين تبدأ قصتها وما مشكلتها الكبرى، في كونها تزوجت كزوجة ثانية ولم يعدل الزوج بين كلا زوجتيه على حساب عائشة، أم في العنف والإهانة اللذين بدءا منذ سنين بعد أن علمت بعلاقاته المتعددة وواجهته بالأمر، لكنها تُعلق على ما مرت به خلال زواجها الذي استمر أربعة عشر عامًا بقولها “أنا ساكتة من سنين، لكن بطلت قادرة أسكت”.
لاقت عائشة ما لاقت، وتحملت على نفسها الأذى، لكنها لم تتحمل أن يصيب أبنائها، فكان تعنيفهم بحدة من قبل والدهم هو ما فجر الأمور وأودى بزواجها إلى الطلاق، كما تصف سببه بقولها “مشاكل على الأولاد، يضربهم ضرب مبرح، بالشوبك، بالحديد، بالشاكوش، على أتفه الأسباب، ولما أتدخل بيضربني أنا، بده أضل ساكتة وأتحمل الذل والظلم” وتضيف “حاسة أولادي مظلومين، تعبوا كتير نفسيًا وجسديًا، بيكفي الحرب، فوق كل الذل بيضربهم كمان!”.
تم تثبيت الطلاق لدى القاضي، وفي نفس اليوم قرر زوجها إعادتها لذمته، لكن عائشة ترفض الرجوع إلى ما كانت عليه وتصف حياتها معه بالمستحيلة “رجعني بس أنا بديش أرجع، لقيت الموضوع عنده سهل ومستهين فيه، بيطلق وبيرجع بكلمة”، تستنكر ما يحدث وتكمل “لهي الدرجة المرأة ما إلها كرامة!”. تضع عائشة شرطها للرجوع بتغيير تعامل الزوج معها ورفضها القاطع لما وصفته ب “الإهانة والذل والضرب قدام الناس والجيران، الجيران كلها بتشهد على الغلط والقسوة، بيغلط عليّ وعلى أهلي”.
وبعد رفضها وشرطها، ما كان من الزوج إلا أن بدأ بالتهديد والوعيد، تقول عائشة “بحكيله سيبني أنا وأولادي، أنا بربيهم، بيقلي إذا بدك هيك بدي أطلقك تاني وأحرمك من أولادك”. وكلما زاد في تهديده، ازدادت عائشة تمسكًا برأيها كما تقول “بيهددني يطلقني مرة ثانية، ليش أتمسك فيه؟”. ولا يتوقف عند التهديد بحرمانها من أبنائها، بل يزيد ويتعامل معها بأسلوب لي الذراع، فهو يعلم أن عائلتها في شمال قطاع غزة، بينما عائشة نازحة في جنوبه، ولا سبيل لها للاستغاثة بعائلتها أو اللجوء إليهم، تقول “بيقلي روحي عند أهلك، وهو عارف إنه أهلي بعاد، بيفكر انه بيضغط عليّ وما الي غيره، بيعاملني زي الديكتاتور” وتضيف “ظروف الحرب خلتنا ضايعين، عارف إني مليش بيت أرجعله، لو الي بيت كان عادي”.
“أنا بيتي راح، كل ما أملك راح، أولادي بيمشوا حفاة، بشحت حتى ألبسهم، الوضع مأساوي” تعيش عائشة حياة قاسية فقدت فيها كل شيء، ولم يبق لها سوى أولادها، تخاف أن تفقدهم، وتخاف عليهم إن فارقوها وعمل زوجها بتهديده، تقول بمرارة “ما بيقدر يربيهم، وين بده يأخذهم؟ لزوجته الي بتكرهني وبتكره أولادي؟” وينتهي الحديث كما بدأته.. بتنهيدة.