أغسطس 23, 2025
زواج البدل: تطليق وتعليق
زواج البدل: تطليق وتعليق

لم تكن تعلم أن حياتَها ستنقلبُ رأساً على عقب نتيجةَ خلافٍ لا شأنَ لها به، فحينَ قررَّ شقيقها أن يتزوّج أخت زوجها ضمن ما يُعرف بزواج البدل لم يخطر على بالها أنَّ مصيرَها سيكونُ مرهوناَ بذلك الزواج، فما إن انفصلَ شقيقُها عن زوجته، حتى تبعه طلاقها هي أيضًا. منذ ثماني سنوات بدأت معاناة نجلاء، وقد كانت تلك البداية تمهيداً لواقعٍ مرير، لم ينتهِ بعد. تحكي نجلاء: “أنا مطلقة من ٨ سنوات عشان زواج بدل اشي مليش ذنب فيه مع إني كنت متحملة العيشة السيئة معاه عشان أولادي، وفي الحرب نزحت مع أهلي على الجنوب وولادي كانوا بالشمال وتحاصروا من أولها شهر كامل وأنا كنت لا أنام ولا أرتاح وكل يوم بدي اياهم ولادي هدول ولما فكوا عنهم اليهود وطلعوهم بعتلي اياهم طليقي على الجنوب مشي وما صدق ورفع ايده عنهم عشان ما يصرفش عليهم”.

كانت تلك فرصةً مناسبةً لوالد الأطفال ليتهربَ من مسؤولياته، ويتركَ الجمل بما حمل، لكنَّ عائلة نجلاء كان لها رأياً آخر، متجاهلينَ تماماً مشاعرَ الأمومة وتمسكَ نجلاء بأطفالها، مهما كان الثمن. تقول نجلاء: “كانت الدنيا منيحة أولها وكنت قادرة أطعميهم وأشربهم وكنت قاعدة أنا واياهم وأهلي كلنا في صف في المدرسة وبعدها تخربطت الدنيا واجينا بدنا ننزح على رفح، وهان أهلي أول ما تشاطروا إلا عليا حكولي أولادك يرجعوا لأبوهم ما يضلوا عندك ضليت أترجاهم بس يخلولي واحد يساعدني بعد معاناة خلوا ابني الكبير أبو ١٣ سنة وباقي الأولاد أبوهم أخدهم”.

وتكمل: “وصلنا هناك على رفح واللي كنت حاسباه صار، ما حد بنفع التاني، كلهم أخدوا نسوانهم وولادهم ودبروا حالهم وأنا وابني قعدنا بالشارع يومين ولفينا على مراكز الإيواء وكان فش وسع لعند ما دبرنا مكان في مدرسة وقعدنا تحت بيت الدرج، ومع الحال والضيق صرت أعجن وأبيع خبز ووقتها اخوتي لما شافوا حالي وصار يتقدملي ناس للزواج قالوا أولى نرجعها لجوزها أبو ولادها”.

أُجبرت نجلاء على ترك أطفالها، وقلبها يعتصرُ خوفاً وقلقاً عليهم، فهي أم، وفي لحظةِ ضعف، اتفق عليها إخوتها، وأجبروها باسم “السترة”، على العودة لزوجها السابق الذي ذاقت منه الويلات، ولم يعطها كاملَ حقوقها المالية والشرعية بعد الطلاق.

تقول نجلاء: “جابوه ولقاها فرصة قال برجعها بس بشرط تتنازل عن حقوقها اللي قبل، عاد أنا كنت باخد بحقوقي لسا مكنتش مخلصة وصاروا اخوتي يضغطوا عليا عشان أتنازل وأنا أصلاً بديش اياه، وقعدوا يغوشوا عليا واحنا زلام واحنا كلمتنا اللي بتمشي وبدك تتنازلي وابنك صار طولك عيب عليكي تتزوجي ومن هالكلام”.

وتضيف بحسرة: “أجبروني على هالجيزة اللي ما دفعلي فيها دينار واحد يعني ما خسر ولا حاجة، والله لما روحت من المحكمة أنا مش شايفاه بعيني مش قادرة أنسى ايش عمل فيا، صار بده ييجي عندي وجاب باقي أولادي وأولاده من مرته التانية اللي حكالي أنا مطلقها وبديش اياها”.

عادت نجلاء إلى زوجها مُرغمة، لكنها لم تجد زوجاً ولا شريكاً، بل وجدت نفسها في مواجهةِ واقعٍ مليءٍ بالخداعِ والوعودِ الكاذبة. تقول نجلاء في هذا: “طبعا اجا وقعد معنا شهر، ولا كأنه زوج ولا راضي يعمل اشي والشغل والمسؤولية زادت عليا مش ملاحقة ييجي النهار ويخلص وأنا بشتغل رحت جبت اخوتي أحكيلهم ليش جوزتوني اياه، حكولي مشيها واطوي هالصفحة وبعدها صار يطلع أول النهار ويرجع آخره لا يسأل كيف أكلنا ايش شربنا ولما أراجعه يقلي هي أهلك عندك دبري حالك”.

وتكمل: “قعد فترة مش على طبيعته إلا بجيني اتصال إنه جوزك مرجع التانية وبناتها سايبهم عندي وطلع كل اللي حكالي اياه بالأول والوعود كذب وأنا حكتله وقتها خلص الله يسهل عليك وأخد بناته وطلع”.

حين تحوَّلت القوامة إلى أداةٍ للإذلال، اختارت نجلاء نفسها، رغم تخلي الجميع عنها، وقرَّرت الاعتمادَ على ذاتِها ورعايةِ أبنائها رغمَ قلةِ الإمكانيات، وحرمانِ أبنائها من حقهم في النفقة.

تحكي نجلاء: “ومن وقتها ما حد بقلي وين انت ولما حكوا هدنة ويلا ارجعوا على غزة كلهم سابوني وروحوا، وبالعافية دبرت حالي مع ناس وروحت ولما رجعت على دار أهلي لهي إمي بتقلي انتي بس، بحطش ولادك عندي، فرحت حملت حالي وقعدت بصف في المدرسة”.

وتضيف: “صرت أفكر كيف أصرف على ولادي فاضطريت أفتح بسطة في المدرسة وأبيع أغراضي عشان أشتري اللازم، اجوا اخوتي يحكولي كيف انت بتفتحي بسطة وايش يقولوا عنا الناس وعملوا معايا مشكلة إلها أول ملهاش آخر، هجموا عليا ضربوني ولموا علينا المدرسة عشان أسيب ولادي، طب ايش الجرم اللي أنا عملته؟”.

وتكمل: “احنا ما بدناش اشي بس حد يشوفلنا حل وين نروح احنا، لمين نتبع احنا النساء المعلقات، لا زوج مدور ولا أهل مدورين، من وين بدنا نصرف من وين بدنا ناكل يعني أعرض حالي للخطر عشان اللقمة؟”.

تتساءلُ نجلاء بقلقٍ عن مصيرها، وقد طُلِّقت سابقاً بلا ذنب، والآن وجدت نفسها معلقةً بلا ذنب، في تجربةٍ تظهرُ حجمَ المعاناةِ التي تواجهها النساء المعلقات، نتيجةَ غيابِ الدعم الاجتماعي والقانوني، والظروف القاسية التي خلفها العدوان. وسيبقى هذا السؤال معلقاً بلا إجابة، حتى تحقيق العدالة.

Other Topics