أغسطس 18, 2025
ستينيَّة مُعَنفة
ستينيَّة مُعَنفة

“أنا اللي زيي ٦٤ سنة بتحملش ضرب”، لم يشفع لها شيبُ رأسِها، ولا تجاعيدُ وجهها التي خطتها سنواتُ عمرِها.

سميَّة؛ أم، وجدة، ومسنّة، تتعرض للعنف الجسدي واللفظي من قبل زوجها، الذي لم يراعِ ضعفَ جسدها، ولا سنواتِ حياتها التي أفنتها في خدمتِه وتربيةِ أبنائه. 

تحكي سميَّة: “أنا جوزي هذا تحملته ٤٥ سنة من أول ما تزوجت وأنا مشاكل مع زوجي وحماتي ومع الكل وأنا كنت أخاف منهم كلهم كبار كانوا، وأهلي عاقلين مش تعون مشاكل، كنت أتعرض لضرب مبرح لدرجة أروح عند أهلي جسمي أزرق أزرق ويهددني لو أهلك عرفوا رح أطلقك وأكب عليك مية نار وأحرمك بناتك وأبويا لما دري عن مشاكلي بحكيلي بهمش يابا تحملي”.

استغل زوجها ظروفَ العدوان على قطاع غزة ليمعنَ في عنفه عليها، رغم أنها وضعت نفسها جانباً، لتتفرغ لخدمته وأصدقائه، في وقتٍ بالكاد يستطيع فيه الإنسان توفير قوت يومه.

تطهو طعامهم على النار، وينحني ظهرها ساعات طويلة وهي تنظف، وفوقَ هذا تتلقى عنفاً جسدياً وتهديداً مستمراً بالطلاق وألفاظاً نابية تهينُ كرامتها. تقول سميَّة: “طول الحرب وأنا في البيت خادماه هو وصحابه ييجوا من الصبح ع ٦ ونص يفطروا ويقعدوا وبعدين يرجعوا على الغدا وعلى العشا واحنا كنا يا دوب قادرين نوفر اللقمة إلنا، كنت أحرم حالي وأحكي يلا بدي أبيِّض وجهه قدام صاحبه ومع هيك يصير يدعي عليا الله يغضب عليكي ويكسر ايديكي وأنا مش عاملة اشي بس لا حمداً ولا شكوراً”.

وتضيف: “فوق ما كانت الدنيا خطر ومحاصرين من اليهود وقصف وكان يضربني ضرب الموت، بإيدو كان يضربني على وجهي لعند ما يتورم ويصير أزرق، يحدف أشياء عليا لما سيل الدم من راسي يرمي أشياء بتعور، وبضل يهددني بدي أطلقك بدي أطلقك، كان دايماً فش عنده غير الضرب على الراس يمكن لو وحدة تانية كان انجنت وطلعت بالشوارع أنا مش عارفة كيف ربنا مصبرني عليه”.

قضت سميَّة سنوات زواجها وهي صابرة على أفعال زوجها، تحاول أن تواسي نفسها مع أبنائها وأحفادها الصغار وهم يلعبون من حولها، في منزلها الذي تملك اوراقاً رسمية تثبت حقها فيه، لكنها لم تتخيل أن يغدو هذا المشهد بكلِّه سراباً. تقول سميَّة: “طردني من الدار وهدد ابني لو أمك فاتت الدار حكسر حيطان دارك عليك واضطريت أقعد عند ابني وطبعاً بناتي بطلوا ييجوا عشان بخافوا من أبوهم”.

وتضيف: “ابني هاد هو اللي ضللي بعد ما ابني الكبير توفى قبل سنين من ضرب أبوه، كان يضربه ضرب الموت ويربطه بالجنزير لعند ما يرشق دمه على الحيط وبعدها طرده من الدار والولد تعب صار معه جلطة وأخدوه ع المستشفى وحرمني أروح أشوفه وابني توفى لحاله في المستشفى فش حد من أهلو حواليه”.

فقدت سميَّة ابنها وهو في ريعان شبابه، بعد تعرضه للتعذيب والضرب المبرح الذي أودى بحياته، ثم طُردت من منزلها، واليوم تخشى أن تفقد جسدها، فصحتها تتراجع شيئاً فشيئاً إثر العنف المتراكم عليها منذ سنوات والذي تضاعف مع سوء التغذية الناجمة عن الحصار الاقتصادي الذي فرضه الاحتلال على قطاع غزة منذ بداية العدوان. تحكي سميَّة: “دايماً صداع من كتر الضرب على الراس وصار معايا سكري وبغمى عليا وبصيروا يصحوني يعني أنا ست كبيرة هو أنا بتحمل ضرب وهلقيت أصلاً فش أكل فبتعب بزيادة”.

في عمرٍ يفترضُ أن يثمرَ فيه حصادها، وتُحملُ على أكفٍ من الراحة، تعيشُ سميَّة حياةً مُوحشة لا تليقُ بمن ربت وتعبت حد الهِرَم، فتنتظرُ من ينتشلها من واقعها المهين، ويجمعَ شتات أمرها؛ لتعودَ لبيتها عزيزة وتعيشَ ما تبقى من عمرها بحرية وكرامة.

تقول سميَّة: “أنا تعبت من هادي العيشة بدي أعيش باقي عمري معززة مكرمة وأضل في داري، يعني أنا على آخر هالعمر أرتمي في الشارع!.. خلص مش قادرة أتحمل أنا دايماً مهيونة دايماً مضروبة أنا مش مسامحاه، صبرت عليه كل هالعمر عشان بناتي وهالولد اللي ضايل، وهلقيت حتى بناتي بخافوا وبطلت أشوفهم”.

Other Topics