حظيت سلام بقسطٍ وافرٍ من الجمال، لكنّها لم تتخيّل أبدًا أن ينقلب عليها جمالها بنقمةٍ أثناء عدوان السابع من أكتوبر 2023، لتجد نفسها وهي في بداية ثلاثينيّاتها تسير على خيطٍ رفيع بين تدبير سُبل العيش والحفاظ على كرامتها.
اعتُقل زوج سلام خلال عدوان السابع من أكتوبر 2023، كما دمّر الاحتلال الإسرائيلي منزلها وضاعت معه جميع ممتلكات العائلة، فوجدت نفسها دون دخل أو مسكن، واضطرت للجوء مع من معها إلى غرفةٍ في بيت أحد الأقارب، لتعيش مرارة القهر والجوع والنزوح مع خمسة أطفالٍ، ووالدة زوجها المسنّة.
تقول سلام: “أنا دارسة ومعي شهادات بس ما عمري فكرت أشتغل. كان زوجي يقول لي طالما أنا بشتغل ما إلك. إنت إلك في بيتك في ولادك”. غير أنّ الأمر اختلف بعد اعتقال زوجها وضياع أملاكه، إضافةً إلى صعوبة الحصول على فرص عمل مع استمرار العدوان، وتحمّل سلام لمسؤولية جميع من معها. تُكمل سلام: “اليوم فش دخل، الحاجّة معايا كمان مريضة، ست كبيرة بتحتاج لبابمرز (فوط صحية)، عندها ضغط، عندها سكر، بدها حد يقومها، حد يحطها، محتاجة إلها كرسي، طيب من وين بدي أجبلها”.
وككثيراتٍ وكثيرين، أجبر عنف العدوان وشحّ الموارد سلام أن تلجأ لبعض المؤسسات أو الجهات التي توفّر الدعم والمساعدات سواء المادية أو العينية في محاولة لتغطية احتياجات العائلة. تخبّرنا سلام عن تجربتها: “بتروحي على سبيل المثال لمؤسسة أو لجهة داعمة، بتحكيلهم وضعك وكذا وكذا، بستغلوكي أصحاب النفوس الضعيفة، إنه مثلاً: جوزك مش موجود، إحنا هينا موجودين بداله، أنا بعوضك النقص، إيش بتحتاجي أنا بوفر لك إياه مثلاً، والله بدكيش تتعاملي معايا خلص، إنه من باب أنا حبيتك، إنه انت دخلتي قلبي”.
تحتقن سلام بمزيجٍ من القهر والغضب، ويغصّ حلقها وهي تروي: “أنا ياعمي مش جاية لا أحب ولا أتزوج ولا جاية أعرض نفسي عليك يعني، أنا مش جاية أحبك وتحبني، أنا جوزي مالي عيني، وأنا مالية عين جوزي، بس الحرب فرضت علينا هيك، فإنت ليش تستغلني عشان تقدّملي مساعدة، وإذا إنت ماطاوعتنيش في هيك أمور فأنا مش حقدملك المساعدة. للأسف الشديد 90% إذا مش 95% سواء في الجنوب أو في غزة موجود هذا الإشي، بشكل مش طبيعي، فأنا مش عارفة ليش بدخلوا للنسوان من هذا الباب”.
مع تدمير الاحتلال لجميع البنى المؤسسية والقانونية، وزيادة حاجة النساء وعائلاتهن للمساعدة في قطاع غزة؛ لأسباب تدمير البيوت والنزوح من مكان لآخر، وفقد المعيل إما بالقتل أو الأسر أو الطلاق أو الهجر والتعليق، وفقد الكثيرات لمصادر دخلهن، تتزايد محاولات ابتزازهن جنسيًا من مُقدّمي الخدمات.
تقول سلام: “تعرّضت لكتير مواقف. بتيجي أول مرة، بتيجي تاني مرة بصير يقرب عليك، يحسّس عليك، يمسك إيدك، يتغزّل فيك، عيونك.. مش عارف كسماتك، إنت معقول متجوزة؟ عارفة حتى ألفاظ، كلام، أشياء، …… إذا بتقدروا تقدمولي المساعدة، هي مساعدة جاية للشعب، تمسكني من إيدي اللي بتوجعني عشان تقدملي المساعدة؟ بلا منها، بديش إياها، فأنا أموت جوع ولا أتعرض لهيك إشي”.
وكما سلبها العدوان الإسرائيلي زوجها المعتقل، وبيتها ودخلها واستقلال عائلتها، فإن تعرّض سلام وغيرها من النساء لكلّ هذه الظروف وفوقها مهانة الاستغلال الجنسي مقابلة المساعدات، كُلّ هذا أدّى إلى زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية، وحتّى إلى تغيّرٍ في الشخصية والقدرة في التعامل مع الأبناء والناس. تشرح سلام: “للأمانة الواحد تعب ومضغوط من جميع الأمور. أولادي صاروا ضعيفين الشخصية وأنا من الضغط الواقع عليّ بفرغه فيهم. البنت على سبيل المثال إذا وقعت منها شغلة، تلاقيني طبّيت فيها ضرب. أنا عارفة إني أنا غلطانة مع بنتي، بس مش بإيدي”.
كما تجد سلام نفسها في مأزق بين التعامل مع ابنها الأكبر كبديلٍ لزوجها في لعب دور الرجل داخل المنزل، وبين إدراكها أنّه ما يزال طفلًا، حيث تقول: “ابني الكبير يمكن عشان بدي يكون في مكان أبوه لإنه الكبير لما بغلط غلطة صغيرة بضربه بحس حالي بدي أموته، وبعدها بقعد مع حالي وبتلاقيني صرت أعيط، مش بإيدي، بتلاقيني براجع في نفسي، ليش عملت فيه هيك، ممكن كمان ضغط اللي حواليكِ، فعليًا في الواقع اللي أنا عايشاه، مش صغير هو 12 سنة برضه هو لازم يكون شايل جزء من المسؤولية”.
كلّما استمر العدوان، تضيق الحياة أكثر على سلام ومن معها داخل غرفةٍ ضيّقة أيضًا، خاصّةً دون قدرتها على العثور على أيّ عمل مناسب وسط كُلّ الدمار والنزوح وانعدام الموارد. “من كتر المواقف اللي بتعرضلها صرت حاسة حالي ماشية بالشارع عريانة، بدي شغل، ياربي أكتر من هيك ماضلش، ماضلش إشي نقدر نصبر حالنا فيه ونبيعه، 7 أنفار وفش علينا دخل بالمرة”، تروي سلام، كما تعبّر عن قلقها من أن يفقدوا مأواهم الحالي في الغرفة الوحيدة المتاحة، لأنّ أقاربهم يلمّحون لهم باحتياجهم لها: “صعب نرجع نعيش بخيمة، لأنه جربت قبل هيك، إحنا أساساً في الجنوب قعدنا سنة ونص في خيمة، بس إنه تكوني بين حيطان أحسن مليون مرة حتى لو إنت متدايقة ومضغوطة، من إنك تعيش بخيمة”.
عند سؤالها عن صعوبات العيش في الخيمة، يثقل صوت سلام مجدّدًا بالخوف من الاستغلال الجنسي أو التحرّش الجنسي بسبب غياب الضوابط وغياب المساحة الشخصية وانعدام الأمان سواءً من صواريخ الاحتلال أو من نظرات ولمسات الرجال: “الخيمة فش عليها أمان، أغلب القائمين على المخيمات عديمين إحساس وعديمين شرف، بتخافي من ناحية الحرامية وإنت فش عندك رجّال (زوج أو أب أو أخ كبير)، واللي متبّع أمورك وعارفك ممكن يستغل وضعك، ممكن يخش عليك بحجّة كذا أو كذا، فش رجّال، بييجي دوبه بدق وبفتح باب الخيمة وإنت بشعرك مثلاً وإنت مش لابسة، فأنا بضطر أضل طول النهار لابسة أواعي الصلاة. بصير يتقرب منك، طيب أنا بدي أصرخ بدي أتف بوجهه بدي أفضح حالي، مش عارفة الناس مش عارفة وين كاينة مخبية هالوحشية اللي جواها، الوضع مأساوي بخوف”.
تُظهر قصة سلام أن العدوان لا يقتصر على الدمار وفقدان الأحبة، بل يمتد ليمس كرامة الإنسان وأمنه. فقد حوّل غياب الهياكل القانونية المساعدة الأساسية إلى فرصة للابتزاز والاستغلال. إن إعادة إعمار غزة ليست مجرد بناء حجارة، بل إعادة بناء مجتمع يحمي النساء ويضمن وصول المساعدات بكرامة. وأي خطط تتجاهل ذلك محكوم عليها بالفشل، لذا يجب أن تكون النساء مثل سلام شريكات أساسيات في برامج الإغاثة والإعمار.
توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.
“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”