حضرت سهام مبكرًا، تَحتضن طفلها الصغير بين ذراعيها، تبدو من حركتها وجلستها متلهفة لأمر ما أو على أتم الاستعداد والجهوزية للقيام بخطوة. لم يكن الأمر واضحًا تمامًا حتى حادثتها، فتبين أنها كانت في شوق إلى الحديث والتنفيس عما بداخلها، وتحتاج من يسمعها.
تعيش سهام الآن في مخيم للنازحين مع زوجها وعائلته، بعد عدة محطات من النزوح كانت حياتها خلالها جميعها تتشابه في العنف الجسدي واللفظي الواقع عليها، تقول “جسمي كله أزرق محل الضرب، كل ما بحكي مع زوجي كلمة بيتنرفز، زاد الإشي في الحرب. قبل كم يوم كنت بدي أنتحر بدي أشرد على اليهود، لأني زهقت من قصة الضرب”، وتكمل كأنها تستحضر الحدث أمام عينيها “ضربني بالليل بس لأني طلبت بامبرز للولد، ابني بيلبس شرايط وجسمه مسلخ، كل ما بغيّر له بلاقي الدم بينزل منه. طلعت على الشارع بالليل، رجّعني وكمل ضرب”.
تعاني سهام من الضرب على أتفه الأسباب ولمبررٍ وحيد كما قالت “بده كلامه هو الي يكون ماشي، كل ما برتاح نفسيًا شوية بيرجع يضربني”. وتتذكر حادثة أخرى” “قبل أسبوعين تغرّزت بوجهي. خبطني بالجوال، وقتها دخت، ودخل عمي، حكاله روح معها على المستشفى صار يحكي مش رايح معها”.
لا يقتصر الأمر على العنف الجسدي، وإنما يتجاوزه لإهانتها أمام الملأ، تعبر بمرارة ” قلة قيمة قدام أهله وخواته، قدام الكل بيضربني ويهينني”، وتضيف “لما كنا نازحين في المدرسة، كان يغلط عليّ ويسبني في الساحة، قدام أولاد عمه والناس”. ونتج عن هذا تطاولات وتجاوزات من قبل عائلة زوجها، للحد الذي يصل من التقليل منها ومن احترامها، وصولًا إلى ضربها وإهانتها، تُرجع سهام السبب في هذا لمعاملة زوجها معها “حتى أهله بطلوا يعملوا لي قيمة وصاروا يستفزوني ويغلطوا عليّ، بسبب زوجي اللّي ما بيحترمني قدامهم”. ويتعدى الأمر الحدود إلى أن ينتهي بضرب زوجها لها بسبب خلافٍ بينها وبين والدته أو إحدى أخواته، وتستشهد بهذا بحادثة وقعت قبل نزوحهم من مدرسة للإيواء “أمه شدتني ووقعتني وضربتني عشان ضربت بنتي، ضربني بوكس بوجهي عشان كان صوتي عالي وأنا بشكيله، ما وعيت بعدها لنص ساعة”.
ومع كل ذلك، لا زالت سهام تحاول التفاهم معه والوصول لحل بعيدًا عن هذا الأسلوب غير الآدمي، فتختار وقتًا مناسبًا لتضمن هدوئه في الحوار، فيكون رده “هي الحياة اللّي بدك تضلك عايشاها، بدك تضلك تنضربي زي الحمارة، بدي أمشيكِ على كيفي”، تستنكر سهام رده وأسلوبه إلا أن ما باليد حيلة، ولا أحد يغيثها من جبروته، حتى حماها كلما حاول منعه عن أذيتها يرد عليه الزوج بقوله” “لما بضرب ما بكون بعقلي، هي بتستفزني. مرتي وأنا اللّي متزوجها” بهذا التبرير والعنجهية يستمر في تعنيفها. كما ويهددها بالزواج عليها بأخرى، تقول سهام على لسان زوجها “بيقلي والله لأتزوج، البنات ببلاش في الحرب، ب 200 شيكل بتكتب كتابك ع بنت”.
لم يبقَ لسهام حل غير الطلاق، فكلما اشتكت لعائلتها أشاروا عليها بترك زوجها وإبقاء الأبناء معه، ولا يطاوعها قلبها على ترك أبنائها، فتصرف النظر عن الفكرة برمتها، تقول “أنا ساكتة عشان أولادي، مش قادرة أرميهم، يعني أنا على الطرفين منتكسة”.
شُخصت سهام بالاكتئاب تبعًا للأحداث الصادمة التي تمر بها، وبدأت رحلة العلاج، تقول “طلبت مساعدة نفسية وأعطاني الدكتور حبوب اكتئاب، ما كنت بنام ولا باكل ليومين بعد كل قتال”. إلا أن العلاج مهما كان فعالًا في تحسين حالتها النفسية، فلن يدرأ عنها الأذى إلا بوجود رادع حقيقي “نفسي حد يقول له: الضرب مش كل شيء، إنك تضل تمد ايدك وتهينها قدام أهلك والناس. كأني ما الي كيان!”.