“إنتِ طالق”، لقد ترددَ صدى هذهِ العبارة كثيراً في الآونةِ الأخيرة، بعدما أصبحَ بعضُ الرجالِ ينطقونَها بسهولة،
وهم متسترينَ بغطاءِ العدوان، الذي وفرَ لهم فرصةً في ظل غياب أجهزة العدالة، وخاصةً تعطيل عمل المحاكم وعدم تطبيق القانون مما مكّن أصحابِ النفوسِ السيئة لتنفيذِ ما يحلو لهم..
“إنتِ طالق”، هَدمت هذه العبارة الكثيرَ من البيوت، وفرقت الأُسر، وجعلت من النساءِ ضحايا تتلقفهن صنوف المعاناة، بعدما كنَّ عزيزاتٍ كريماتٍ في بيوتهن.
سلوى، هي واحدة من السيدات اللاتي عشنَ هذه المعاناة بتفاصيلها المُرة، وقد أخذت تروي لنا ما عاشته قائلة: “أبويا الله يرحمه كان هو الحنون علينا البنات وأمي من عقليات زمان اللي بتفضل الولد على البنت ف لما توفى أبويا زاد الضغط عليا من إمي وإخوتي واضطريت أوافق على شخص بديش اياه لأنه بدخن وبصليش وقلت علَّ وعسى إنه يتغير وتزوجنا وعشنا كم من شهر حلوين لعند ما صار خلاف بسيط بيني وبين أمه وخواته وهاد الخلاف البسيط ربى الحقد في قلوبهم وصاروا بدهم يطلقوني بأي وسيلة”.
وتضيف: “لما اجت الحرب اجتهم على طبق من ذهب حكوله هي فرصة ولا في محاكم ولا اشي وبتطلقها وبتتخلص منها بدون اشي وحكوله عشان ما ترجع طلقها بالثلاثة وطلقني الثلاث طلقات بالشهر الأول للحرب عشان ما أرجع على بيتي، اتفق هو وإمه وخواته عليا وأنا كنت حامل شهرين، ومعايا ابني 3 سنين ونص”.
ثلاثون يوماً وثلاثُ طلقات، كانت كفيلةً بأن تقلبَ حياةَ سلوى رأساً على عقب، فلم تكن تتوقع أن تتشتتَ أسرتها وتطردَ من بيتها، في واحدةٍ من أشدِّ الظروفِ قسوةً. تقولُ سلوى عن هذه الأيام العصيبة: “الثلاث طلقات كانوا على أشياء مش مستاهلة، الطلقة الأولى عشان رديت على جارتي السلام وهما مانعيني أشوف حد ولا أطلع مع حد ولا أكلم أهلي ولما عرف إجا معصب وحكالي انتي طالق، وأنا خلص مشيت لهو بعدها بده يسكتني بقلي خلص ساعة غضب والطلقة ما بتنحسب، والطلقة التانية عشان اجت قريبته زارتني، فأنا كيف أفتحلها الباب!! صار يغوش ويغلط وحكالي انت طالق، وخلص أقله اللي بدك إياه مع إنه المواقف هادي بسيطة مش مستاهلة والله ما هي مستاهلة يعني لما أرد السلام ولا أستقبل ضيفة عندي مستاهلة الطلاق؟”.
وتكمل: “ومشيت وسكتت عشان أنا بنت عيشة، أما الطلقة الثالثة كانت عشان اجوا بنات أختي بدهم ياخدوا ابني يلاعبوه هو دايماً بروح عندهم وأبوه بوافق ف اجوا وحكتلهم ميلوا على أبوه استئذنوا منه ف نسيوا، ولما اجا بقلي وين الولد قلتله راح يلعب صار يحكيلي كيف بتاخديش إذني وبتطلعي الولد وصار يغوش وانتي طالق، طب أنا حكيت للبنات ونسيوا بالغلط يعني أنا مش متعمدة أطلعه بدون إذنه”.
وتضيف وهي تبكي: “أنا هان فقدت عقلي عند الطلقة التالتة صرت أقله أنا ايش ذنبي تعمل فيا هيك صابني قشعريرة وصار يقلي يلا ضبضبي أغراضك واطلعي انت هلقيت محرمة عليا صرت أقله كيف انت حكتلي ساعة عصبية والطلقة ما بتنحسب صار يقلي لا بتنحسب ويلا اطلعي من الدار”.
هكذا وبهذه السهولة، أصبحت سلوى مطلقةً ظلماً وبهتاناً، محرومةً من المسكن، ومن حقوقها الشرعية، ومن حقِّ طفلها في النفقة، لتبدأَ بعدها مرحلةً قاسيةً من المعاناة والنزوح، تحمل فيها أعباءَ الحياةِ لوحدها، بينما هي تحملُ في أحشائها طفلةً صغيرةً أنكرَ والدها وجودها. تحكي سلوى: “صرت أقله حرام عليك أنا حامل وين أطلع أجري والدنيا خوف ومليش حد صار يحكيلي لا انت كذابة ومش حامل، أنكر اللي ببطني وخبطي بظهري واجوا الجيران يفزعوا وطلعت من الدار بدون ما يخليني آخد اشي من أغراضي ورحت على أهلي”.
وتكمل: “رحت تاني يوم على الدكتورة عشان أثبت الحمل وحكولي أمور الجنين تمام وتواصلوا مع جوزي يخبروه ما ردش على حدا، وضليت متشنططة مع أهلي من مكان لمكان وأنا حامل وتعبانة وفش مصروف ولا أكل منيح، وكتير كنت أدوخ في الشارع وتبهدلنا قعدنا في خيم وفي حواصل وعند ناس ومشاكل النزوح”.
اضطُرت سلوى إلى القيام بدورِ الأمِّ والأبِ لطفلها الصغير، رغمَ عدمِ حصولها على حقِ طفلها بالنفقة، إثرَ توقفِ عملِ المحاكمِ والمراكزِ القانونية أثناء العدوان على قطاع غزة، فكانت بصعوبةٍ بالغةٍ توفرُ له الطعام والشراب واللباس. ورغمَ أنَّها كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة وتحتاجُ للراحة، إلا أنها كانت توقدُ نارَ الطهي وتغسلُ الملابسَ وتجوبُ الأسواقَ بحثاً عن لقمة عيشهم، وهذا ما أثرَّ على صحةِ جنينها. تقول سلوى: “ولما ولدت بنتي ما تعرف عليها ولا طلب يشوفها لحتى الآن، ومن كتر ما شميت روائح النار والحطب بنتي انولدت عندها مشكلة في التنفس، عندها أزمة صدرية فصرت أروح فيها عالدكاترة فكتبولها بخاخات وأدوية، وهيني هلقيت قاعدة بجري أجيبلها حليب وبامبرز وبجري عشان أتعالج لأنه عندي سوء تغذية، وهيني من هان لهان مش لاحقة ايش أعمل”.
تقف سلوى أمام مسؤولياتها حائرة، تعجزُ أحياناً عن القيامِ بها وتنجحُ في أحيانٍ أخرى، لكنَّ الحسرة لا تفارقُها على الحالِ الذي آلت إليه وما من مجيبٍ لمطالبها، فتمضي تصولُ وتجول، لتحكي قصتها وواقعها الأليم، فهذا الواقع، لم تكن لتصلَ إليه إلا بفعلِ غيابِ العدالة عن الشارع الغزيْ. تحكي سلوى: “ابني دايماً بشوف الأولاد الصغار بنادوا على أباؤهم بصير يحكيلي يا ماما وين بابا؟ بعرفش ايش أحكيله وأبوه هلقيت عايش حياته ومبسوط وأنا وولادي متشنططين، دفع مهر وتجوز وبجيب هدايا واحنا لا حقوق ولا نفقة ولا مصروف ولا اتصال، هو عايش مبسوط ومكيف وأنا وولادي متبهدلين، أنا بس بدي الناس تعرف قصتي وتعرف كيف عانيت أنا وولادي بدون وجه حق”.