“إنو تكوني بنت وسط 3 صبيان، هذه يفترض تكون ميزة وتكوني مدللة زي ما بنظر المجتمع الذكوري، ولكن أنا عكس الناس، “بنت” يعني ما إلك قيمة ولا كلمة ولا رأي ولا حتى وجود لأنك ببساطة مش ولد”.
بهذه الكلمات التي خرجت من ثنايا ثغرها كما هي بدون تحريف، تقول “ربى” بصوت أجش وأنفاس متقطعة تشقها تنهيدة قوية: “أنا بنت عمري (20) سنة وسط أسرة مكونة من خمسة أفراد، منهم ثلاثة ذكور وأنا ترتيبي رقم (2)، يُفترض أكون هادي السنة خريجة تمريض، تطوعت في بداية الحرب ضمن مشروع في مشفى الأهلي، بعدين في مجمع الصحابة الطبي، كانت هادي الفترة بالنسبة إلي فترة خروج من الموت، لكن للأسف انتهت بسرعة ورجعت لمركز النزوح اللي بنعيش فيه من أشهر”.
تضيف بلهجة سخط وحنق: “اجت الحرب واجت على حلمي، إني أكمل الجامعة، وأكمل الدكتوراة، هادا هدفي في الحياة، ولكن للأسف اتحول التعليم إلى تعليم الكتروني، وحاولت أتواصل مع الكلية، لكن ما تمكنتش من التسجيل بسبب منع أهلي وخاصة أبويا”، وتستكمل بعبارات عائلتها: “ما بدنا جامعة، كَبّرت راسك علينا”، لم تسلم “ربى” حتى من تدخلات العائلة وتحريض والدها عليها بحجة “الجامعة بتدمر البنات”، ووفق قولها تضيف: “يعني إنو لما دخلوني الجامعة كأنه ارتكبت جريمة بحق العيلة”.
تقول “ربى” التي كانت تسكن وعائلتها في حي الزيتون واضطروا للنزوح بعد التدمير الذي حل بالمنطقة والبيت “بقضى وقتي في غرفة الصف، ما بختلط مع حد، ويا ريت خالصة، باتعرض لكل أشكال العنف اللفظي والجسدي والنفسي والكلام السييء، كل ما بحاول أحكي أو اتكلم بصدني أبويا وبضل يقولي: إنت بنت ما تحكي ما إلك رأي، كأني مش إنسانة”.
تضيف والدموع تكاد تتفجر بين مقلتيها: “كل إشي بعمله في البيت والشغل، ما إله أي قيمة، ولا كلمة شكر ولا تقدير، ولا حتى احترام ودايما محطوطة إني غلطانة وعصبية وما بعرف أعمل إشي، حياتي صارت جوا الصف جحيم، ما بطلع إلا شوية لساحة المدرسة وما إلي صحبات ولا علاقات اجتماعية”.
وتضيف: “بقضي يومي ببكي، ومعزولة مع نفسي، كتير حاولت ايذاء نفسي قبل الحرب وحاولت الانتحار، وإمي لحقتني وأخدتني للعيادة، وحولوني للمرشدة النفسية اللي هناك، طبعا هما كانوا بدهم يستغلوا الوضع” وفق قولها “انو عنا حالة حاولت الانتحار وحاولنا ننقذ حياتها، وبعدها حولوني على أخصائية، وكانت إمي تيجي معايا، وللأسف ما كنت حابة أحكي إشي في وجود إمي لإنو هما أساس المشكلة واللي أنا فيه وعاملين حالهم ما إلهم ذنب في إشي”.
تضيف “ربى” حاولت كتير أتقرب من أبويا وأمشي معاه في كل إشي، لكن مفيش فايدة عقليته قديمة متحجرة، صعب إنهم يتغيروا حتى إمي بتحمل نفس الطبع ونفس الأفكار، كل إشي عندهم ممنوع ما في إشي مسموح، كتير تعبت من حياتي بطلت أعرف طعم النوم بعمل حالي نايمة في الليل لكن عقلي صاحي بفكر في حالي وفي مستقبلي اللى ضاع، بقعد باليومين بدون أكل وما بحس إني جعانة وعندي دوخة وبشوف الدنيا غباش عملت تحاليل لكن دمي طلع كويس”.
تتابع: “حاسة ثقتي بنفسي انعدمت، كتير بخاف أتعامل مع أي حد غريب، دايما خايفة من الكل، عندي إحساس ملازمني إني حنكسر ما في حد جنبي يسندني، بحاول أنسى واشغل نفسي بالقراءة والنوم ولكن بدون فايدة”.
تستدرك واليأس يتملكها: “كان نفسي يكون إلي أخت افضفض إلها لكن كل إشي نصيب، كتير خايفة إني أضل في نص الطريق، نفسي أخلص الجامعة وأحقق طموحي، في الماجستير والدكتوراه، أهلي رافضين حاليا فكرة إني أشبك نت وأكمل الجامعة وخايفة إنو يضلوا راكبين راسهم ما أخلص جامعتي ويموت حلمي اللي بفكر فيه ليل ونهار”.