أغسطس 31, 2025
عندما يصبحُ الطلاق عقاباً على الأمومة
عندما يصبحُ الطلاق عقاباً على الأمومة

ليست كل البيوت تُبنى على المحبة، فبعضها يُبنى على العنف منذ اللبِنات الأولى، تزوَّجت نسرين قبلَ سنوات من ابنِ عمها على أمل أن تكونَ صلةُ القرابةِ ضمانًا لحياةٍ مستقرة وهانئة، لكنَّ الواقعَ كان مختلفًا تمامًا فمنذُ الأيامِ الأولى للزواج، اصطدمَت بأوضاعٍ معيشيةٍ قاسية، رافقها فيها العنف وانعدامِ الخصوصية، تحتَ غطاءِ العادات والصمت العائلي  .تقول نسرين: “قبل الحرب كانت حياتي مع زوجي فقر، ما كان يشتغل، كنت أطبخ على النار فش غاز، أغسل على ايدي فش غسالة، كنت عايشة في دار العيلة ومشاكل مع جوزي ومع حماتي لأنها بتتحكم في حياتي، وبعدها أخدوا دهبي وبنوا على السطح دار صغيرة الي ولجوزي وكانت بدائية فش شبابيك فش أبواب ولا مجلى أو عفش كنا على الأرض نقعد، يعني الحياة اللي عاشوها الناس في الحرب أنا كنت عايشاها من قبل ما فرقت معايا”.

وفي ظلِّ العدوانِ الأخيرِ على القطاع، والذي فتحَ على الغزيينَ أبواباً واسعةً من المعاناة التي لم تغلق بعد، عاشت نسرين أشهرهُ الأولى وسطَ غياب القانون والأسرة الداعمة، وبينَ يدي زوجٍ يُجبرها على الصمت، كونَها الحلقة الأضعف في منظومةِ العائلة، فقط لأنَّ أصولَ الخلافات جاءت من ذوي القربى.

تحكي نسرين: “في الحرب زادت المشاكل وكانت حماتي تتعمد تضربني في بطني تحكيلي بدناش منك خلفة وحمايا يحكيلها ليش ساكتين عليها لهلقيت ارموها وطلقوها وفش مجال أحكي ولا أدافع عن حالي عشان جوزي بكون ابن عمي وأي مشاكل بتكون بين القرايب بتيجي عليا أنا، وأنا بكون مليش دخل في حاجة بنضرب وبتحمل عشان أهلي، تدخلات الأهل هي اللي زادت عليا المشاكل”.

وتضيف: “بضلهم يحكولي أهلك مش محترمين ويغلطوا عليا والدنيا حرب وأهلي كانوا في الجنوب مليش حد وأنا ما ضل فيا حيل، وأكتر من مرة يمسكني من رقبتي بده يخنقني وضله يضربني كفوف لعند ما أثر على نظري وصار معي صداع شديد وغير إنه خلى ولادي يصيروا يغلطوا عليا كتير مش شوية”.

القرابةُ لا تضمنُ الأمان، هذه الحقيقة أدركتها نسرين بعد ما واجهته من خذلانٍ ونكران، انتهى بإلقاءِ يمينِ الطلاق عليها دونَ ذنبٍ أو مبرر. ففي لحظةٍ واحدة، انهارت حياتها الزوجية أمامَ أعينِ الجميع، لكنَّ القسوة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ فما إن عادت إلى بيت عائلتها، حتى وجدت نفسها تحتَ قيودٍ جديدة، هذه المرة باسم “السمعة والعيب”، وكأنها هي المُذنبة لمجرد أنَّها مُطلقة.

تحكي نسرين: “مرة صارت مشكلة كبيرة وطلقني بالثلاثة قدام الكل ما فرق معاه وصاروا أهله يضحكوا عليا شمتوا فيا ورماني ورحت قعدت لحالي في دار أهلي وصاروا أهل أبويا يتحكموا فيا ممنوع أطلع لحالي ممنوع أنزل عشان أنا مطلقة وايش يحكوا عليا الناس هذا وأنا مخلصة أشهر العدة”.

وتضيف: “بس ما رديت عليهم رحت أسأل الشيوخ في عدة الطلاق وحكولي انت مطلقة رسمياً وخلص تنازلت عن كل اشي عشان أخلص وهما أصلاً ولا حد دور عليا ولا حكالي ايش ناقصك قلتلهم تعالوا بس وقت طلاقي ما رضيوا ورحت بين الرجال لحالي وخلصت أموري لحالي قبل ما يرجعوا أهلي من الجنوب”.

وتكمل بكل ما يحمل صوتها من قهر: “كنت أمشي بالشارع أعيط أقول يا رب من كتر ما أنا مقهورة وصعبانة عليا حالي، أقول وينك يما وينك يابا من كتر ما أنا مظلومة ولحالي، كنت أبين قدام الرجال إني قوية وبس أروح أصير أعيط”.

وقفت نسرين بين الرجالِ وحيدةً مثلَ قرارها ومأساتها، حتى حينَ بكت، بكت سرًا، كي لا يظهرَ ضعفُها، ومع ذلك لم تنجُ من قسوةِ الأب حين عادَ إلى شمالِ القطاع، بعد سماحِ الاحتلال بعودةِ النازحين من جنوب القطاع، فلم يرحم ضعفَها أو قرارها، بل عاتبها واعتدى عليها بالضرب وكأنها بطلاقها جلبت العارَ للعائلة.

تقول نسرين: “لما رجعوا أهلي على الشمال لقيت المعايرة والضرب أبويا ما كانش عاجبه أتطلق حكالي والله لأرجعك، حكتله ما بسامحك لو رجعتني وهلقيت أبويا بضربني وبعايرني عشان بقله أعطيني مصروف بحكيلي ليش تطلقتي كان ضليتك عند جوزك مش معيي وحدة، عشان أختي الكبيرة مطلقة كمان بقعد أبويا يعايرنا يحكيلنا ايش يقولوا عنا الناس بناته مش عارفين يعيشوا”.

وفي مجتمعٍ لا يرحم الأم المطلقة، وجدت نسرين نفسها مُبعَدةً قسراً عن أطفالها، محرومةً من دورِها كأم.

فبعدَ طلاقها تزوَّج طليقها مجدداً، وتركَ الأطفال تحت رعايةِ والدته، والتي تتولى مهمةَ تحريض الأطفال على والدتهم.

ترفضُ نسرين العودة لذاتِ الواقع السيء، لكنها تتمنى أن تحصلَ على حقَّها في حضانةِ أطفالها، الذين حُرمَت منهم بفعلِ غيابِ القانون، نتيجةَ العدوانِ المتواصلِ على قطاع.

تقول نسرين: “أنا بديش أرجع خلص لو يقتلوني بديش أرجع حتى ولادي مش قادرة آخدهم كيف بدي أربيهم مفش مصروف مين بده يطعميهم أنا الي ٥ شهور ما شفت الولاد وهما عايشين هلقيت عند ستهم لأنو أبوهم تجوز بعد ما طلقني، وبضلهم يعلموهم يغلطوا عليا والولاد صغار٥ سنين و٦ سنين لما بكلمهم صاروا ما بدهم اياني وأنا كأم انقهرت على عمري اللي راح وأنا بربي فيهم يعني زي ما بقولوا قلبي على ابني انفطر وقلب ابني عليا زي الحجر”.

هذه الحكاية تختصرُ واقعَ آلافِ النساءِ في غزة، حينَ لا يجدنَ سندًا حتى من أقربِ الناس إليهن، فالطلاقُ لم يكن خياراً سهلاً بالنسبةِ لنسرين، لكنَّه كانَ الخيارَ الوحيد، بعدَ أن تحوَّلت حياتها الزوجية إلى شكلٍ من أشكالِ الموتِ البطيء.

Other Topics