أغسطس 31, 2025
في انتظار العدالة
في انتظار العدالة

محيت حالي وظلمت حالي وكسرت بخاطر نفسي عشان خاطر ولادي، اكتشفت بعدها إنو اللي عملته كله غلط”. بهذه الكلمات بدأت تسنيم قصتها، واختصرت عشر سنوات من الزواج الذي لم يكن إلا سلسلة من الاستغلال والعنف النفسي.

تسنيم نموذج للمرأة الكادحة والقوية، تزوجت في ظروف لا تناسبها لكنها حاولت التعايش معها ودرست ثم توظفت وبنت أخيرًا بمالها الخاص البيت الذي كانت تحلم بالاستقرار فيه، لكن الاستقرار كان يبدو بعيدًا وازدادت الخلافات مع زوجها حتى صارحها بكل الطرق الفجة أنه راغب في الطلاق منها دون سبب صريح أو توضيح. أغلق الأبواب كلها وحرمها من أولادها وصار لقب المعلقة يلاحقها من قبل العدوان دون حل ينصفها، تقول تسنيم “حاولت أرفع عليه قضايا نفقة ودهب وحقوق مالية، ما مشيت الأمور لأنه بدا العدوان”.

مع اندلاع العدوان، لم يحاول الاتصال حتى للاطمئنان، وحرمها من الاطمئنان على أولادها وأغلق كل طرق التواصل بينهم “لا كلم ولا سأل، حاولت أكلم أولادي ما يرد عليا. كلمتهم مرة وحدة عن طريق سلفتي وقالتلي: بقدرش أخليك تكلميهم تاني، أبوهم مانع”. ثم بدأ النزوح القسري من شمال قطاع غزة واضطرت تسنيم كذلك للنزوح مع عائلتها نحو الجنوب، راسلته لتبليغه لكنها قوبلت برد فعل عنيف من طرفه “بعتله رسالة إني طلعت مع أهلي على الجنوب عشان ما يقول طلعت بدون ما تحكي. بعد ما وصلنا رن وصار يصرخ ويطلع الحق عليا”، وزاد على ذلك بالتهديد “حكالي: هخليك معلقة لا تطولي سما ولا أرض وتلفي كعب داير بالمحاكم وما تاخدي شيكل واحد من فلوسك”.

زيادة عن العام من النزوح، حُرمت فيه تسنيم من سماع صوت أبنائها ولا تعرف شيئًا عن أخبارهم “ما خلاني أكلم ولادي نهائي، حرمني صوتهم. أرن عليه يفصل بوجهي وبعدها حظر رقمي وأرقام أهلي”. حتى عائلته تواطئت معه في تصرفه ضد تسنيم، وكلما حاولت التواصل معهم لمعرفة أخبار أبنائها كذبوا عليها بأن زوجها نزح إلى الجنوب ولا يعرفون عنه شيئًا، تصف تسنيم حالتها خلال هده الفترة الصعبة “صرت أتابع أخبار الجنوب وأدور على أسماء أولادي بين الشهداء وأضل أعيط نهار وليل”. استمر هذا الحال إلى أن علمت أن زوجها لم ينزح من الأساس وحين واجهت عائلته بحقيقة كذبهم عليها لم يتغير شيء واستمروا في منعها من مكالمة أولادها “أقلهم: مشان الله خلوني أسمع صوتهم بس. صرت أترجاهم رجاء، ويرفض هو وأهله”.

حين عادت إلى الشمال، حاولت رؤية أبنائها عن طريق لجان الإصلاح وحتى عن طريق القانون لكن زوجها كان يرفض كل المحاولات “بابا اتوجه لرجال الإصلاح بس رفض أبوهم يخليني أشوفهم غير عنده. خلال الهدنة فتحت المحكمة وكلموه صار يقول: فش قانون وفش جهة تنفيذية وأعلى ما بخيلها تركبه وتخبط راسها بألف حيط”. لكن تسنيم استطاعت خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت أن تحصل على حكم بمشاهدة الأولاد، إلا أن زوجها اشترط عليها شروطًا مذلة “اشترط إنه آخدهم من مركز الشرطة وأرجعهم عليه. أول مرة شفتهم في المركز كانوا في حال يرثى له ووجوههم صفرا ومعهم سخونة. خايفين! أبوهم حاكيلهم الشرطة هياخدوكم ويحبسوكم!”

“صرت أعيط وأفكر على ايش متمسك فيهم وما بده يفرجيني إياهم، وأنا ما كنت مقصرة فيهم لا بأكل ولا شرب ولا لبس” كان هذا هو لسان حال تسنيم بعدما رأت أبنائها بهيئة رثة كما وصفت “لابسين نفس اللبس اللي كنت جايبالهم إياه من سنتين ومع هيك واسع عليهم، القفص الصدري تبعهم مبين. أواعيهم مبهدلة وجسمهم من كتر الوسخ اللي عليه صار طبقات. بنتي المشط مش راضي يدخل بشعرها رغم إنه كان ناعم، وابني محل ما بيمشي حافي رجليه مفحرة ومليانة سواد وتاركه أبوه بدون علاج”. لم يتسع وقت المشاهدة لتعتني بهم فجهزت لهم في موعد المرة الثانية كل ما يلزمهم من طعام وثياب وعلاج وحتى مياه ساخنة للاستحمام، لكنهم فاجؤوها بالرفض خوفًا من تهديد والدهم “ابني ضل يعيط وما بده لأنه أبوه حكاله: إذا أمك حممتكم بدي أكسر راسك انت وأختك. حممتهم غصب عنهم ورتبتهم، ولما اجيت أروحهم باللبس مرضيوش، خافوا وحكولي: بابا بيكسرنا وبيضربنا”. كانت هذه آخر مرة رأت فيها تسنيم أبنائها، إذ اندلع العدوان من جديد وحُرمت من رؤية أبنائها لغياب عمل الجهات القانونية وهو ما استغله زوجها ولم يُرسل لها أطفالها مرة أخرى.

تسنيم لم ترَ أطفالها خلال ما يقارب العامين سوى مرتين ولمدة قصيرة، روت كل ما حدث معها بنبرة القوي الواثق من حقه، لكنها عندما عادت في ذاكرتها إلى لحظة رؤية أطفالها لم تتمالك نفسها “أول ما شفتهم عيطت، ولا زلت كل ما بتذكر منظرهم بعيط بس أنا بديش أكون هيك. التجربة كتير صعبة، كنت مفكرة لما أشوفهم هرتاح بس ما ارتحت خصوصًا بالشكل اللي شفتهم فيه”.

علمت تسنيم أن زوجها تزوج عليها، في بيتها وملكها، وعلى أثاثها وممتلكاتها، وكان هذا ما لم تستطع تحمله “لما عرفت أولها عملت إنه عادي بس مقدرتش وصرخت وعيطت. مضلش ندالة أكتر من هيك يعملها، متزوج على عفشي وببيتي وبمالي ولبسي وأغراضي”.

أكثر ما يؤلم تسنيم هو أنه استغنى عنها دون سبب ولم يحاول معها بأي طريقة، حتى أنه أوصد كل باب كان مفتوح “ما كلف خاطره إنه يرفع سماعة أو يحاول حتى لو معي مش مع أهلي، ولا مكالمة من يوم ما حردت! مش لهدرجة ايش صدر مني؟ ايش عملت فيه عاطل؟”

كل شيء كان مسلوبًا منها: بيتها، مالها، أطفالها، حتى أوراقها الرسمية التي تثبت حقوقها المالية احترقت بسبب العدوان الإسرائيلي في مكتب المحامي الذي كانت قد وكلته قبل العدوان. “أُحبطت وحسيت باليأس إنه أخد المال والولاد وكل حاجة ومطلعليش حاجة”. ولم يعد معها أي شيء سوى لقب المعلقة “كلمة معلقة مش مضايقاني من اللي حواليا بس أنا نفسي مش عارفة حالي لا متزوجة ولا مطلقة”.

لا زالت تسنيم تتعلق بأمل وقف إطلاق النار لتستطيع تحصيل حقوقها، الأمر الذي علقه العدوان على مدى ما يقارب العامين، فتجمدت العدالة وبقيت تسنيم محرومة من أقل القليل، حتى رؤية أطفالها.

“مطلبي إنه أول ما تفتح المحاكم بدي أرفع قضايا وأخد فيها حقوقي. أنا مأجلة الطلاق مش لأني متمسكة فيه، أنا نفسي أخلص اليوم قبل بكرا، بس الطلاق خلال العدوان بيتم بالاتفاق، والاتفاق هيكون إني أتنازل عن كلشي”.

وفي ختام حديثها، تنظر خلفها وتقول “كتير بكيت على العشر سنين اللي راحوا من عمري. كنت بفكر إنه هيقدر تضحيتي، بس شافها واجب، استحالة أرجع لهيك بني آدم”.

Other Topics