حضرت وفاء لتروي قصتها وبدأت بالسرد كما لو أنها وهي تلفظ الكلمات تلفظ معهن ذكرياتها المؤلمة. تقول “بعاني كتير من زوجي، كتير بيعنفني وبيغلط عليا. دايمًا بيعمل مشاكل، ما بيكلمني وما بينام عندي. مش مرتاحة، بحسه ما بده إياني.”
تحوّل أسلوب زوجها معها مع بدء العدوان، فصار يعاملها بجفاء، وكأنها عبء ثقيل عليه. تقول “من بداية الحرب وتعامله صار سيء، يمكن من قلة الفلوس، بس هادا مش مبرر ليعذب زوجته!”.
حملت وفاء أثناء العدوان، وعندما علم زوجها أن الجنين فتاة، جن جنونه وانقطع عن زوجته كأنها ارتكبت إثمًا. “لما عرف إني حامل ببنت، بطل يكلمني ٢٨ يوم، ينام لحاله وما يعبرني وما يجيبلي أكل أو شرب”، ولا يكف عن معايرتها وإذلالها بحقيقة أنها لا تنجب سوى الإناث، ويقول لها: “انتي بتجيبي البنات وبتموتي الولاد.”
حتى وصل به الأمر ليقارن قدرة الأطفال الذكور على التسول فضلًا عن الإناث! “جارنا عنده ٦ ولاد بيبعتهم يشحتوا بالسوق، وبيلم باليوم منهم ٢٠٠ شيكل”، “بصير زوجي يحكيلي اللي معاه ولاد بيجيبوله فلوس وبيترزق!”
وبينما يقترب موعد ولادتها، لا يتغير في تعامله شيء سوى أن يزيد في جفاءه. “ضل النكد لشهري التاسع وهو يقولي بدي أتجوز عليكي وما بدي إياكي”. وفي يوم، حدث خلاف بين وفاء وأخت زوجها ليقوم الزوج بتعنيفها “ضربني قدام أخته ببربيش على بطني! بعدها طردني وحلف عليا أروح على أهلي وما كان باقي لموعد ولادتي غير يومين”.
وفي يوم الولادة، تركها تواجه الألم وحدها “وضعي كان صعب ونمت بالمستشفى، ما إجى معايا وما كان معايا حدا، الممرضة استغربت وصارت تسألني: ليش ما في حدا معاكي؟ ومع هيك ما كنت مفكرة بالوجع قد ما كنت مفكرة باللي عمله معايا لما ضربني وطردني”.
وما زاد من ألمها، علمها بما حدث أثناء غيابها، وهو ما نقله لها أطفالها، “جوز أختي حكى لجوزي يعملولي تخت من كياس الرمل، وحمام عشان أقدر أقعد لأني طالعة من عملية قيصرية وبقدرش أنام على فراش أرضي أو أدخل حمامات الخيم. لكن جوزي رفض وكان رده: بلاش تفكرني مهتم فيها وبحبها، خليها تتعذب شوية!”. تستنكر وفاء موقفه، فبينما يفكر البعض براحتها، لا يهتم زوجها – وهو أقرب البعض – بأمرها ويريد لها المشقة.
حتى بعد الولادة، لم يتغير شيء “٤٠ يوم ضليت بنكد، ما بيكلمني ومش طايق حاله”. وطفلتها التي جاءت للعالم دون ذنبٍ لها بأي شيء، كان يعاملها بازدراء، وإذا رأى أحدًا يلاعبها، نهره وأغلظ عليه “يكونوا الصغار بيلاعبوا البنت يحكي لهم على شو مبسوطين، هي كاينة ولد عشان تنبسطوا عليها؟ هادي بنت!”.
في إحدى المرات، طردها من الخيمة بسبب خلاف تافه حول دراجة هوائية. “صاحبه أخذ البسكليت تبعه، لما رجع زوجي صار يقول لي كيف بتعطيه إياه. وصار يكفر ويغلط ويحلف بالطلاق وطردني”، وتكمل بحسرة ” كنا برمضان وصيام، خلاني أطلع بعز المطر والقصف ومعي بنتين صغار، مشيت طول الطريق من غزة لبيت لاهيا وأنا ببكي كيف قدر يعمل فيا هيك بس عشان بسكليت! خجلانة إيش بدي أقول لأهلي!”، ورغم كل ذلك، كانت تعود من أجل أطفالها “رجعت بعدها عشان خاطر بناتي، ما بقدر أسيب بناتي بالخيم. بس أطباعه ما تغيرت”.
تدرك وفاء حقيقة رغبته بتركها وهو ما تخافه “قلقانة يتزوج عليا ويرميني أنا وبناتي”. وهو ما يحذرها منه أهلها “بيحكولي اللي بيعمل مشكلة من ولا إشي بيكون ما بده إياكي”. يدعوها كل من هم حولها لتركه لاستنفاذ الحلول معه، لكنها تتذكر الأيام الخوالي والحب الذي كان بينهما.. تبكي وتبقى في حيرتها، لا تعرف في أي قرار يكون صواب الرأي.