تبدأ تهاني قصتها دون مقدمات بالقول “شخصيتي عدمها، ممنوع تطلعي، ممنوع تنزلي. جديد صرت أعرف أحكي وأتعامل مع الناس، ما كنتش أحب أقعد مع الناس ويصيبني صداع!”. تهاني سيدة متزوجة منذ سن مبكرة وأم لخمسة أطفال، عاشت على مدى السنين الماضية حياة زوجية مليئة بالخلافات والعنف، الأمر الذي زاد بشكل ملحوظ خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تُرجع تهاني السبب إلى أمرين “جوزي مدخن وبيتعاطى مخدرات، وفش في الحرب، فصار يصب كل غضبه فيّا”، وتكمل “وعشان أهلي نزحوا لجنوب القطاع بحسه بيستغل غيابهم”. وتصف أفعاله بقولها “مرة ضربني ببربيش خلى كل جسمي يعلم، ومرة شفتي انفتحت وعيني ورمت. بيضرب ببربيش، بعصاية، بكاسة، براديو، بيرمي الجوال عليا، شو ما يطلع بإيده”.
تقول تهاني في محاولة لإظهار لا مبالاتها “من كتر الضرب اللي ضربني إياه صرت أحس إنو هادا هوا الإشي الطبيعي”، لكنها تفشل في محاولتها وتستدرك قولها “صرت خايفة أموت من الضرب، آخر مرة حكالي بدي أموتك على الآخر”.
عاشت تهاني خلال العدوان في نزوح مستمر، وحياة النزوح لا تعرف الخصوصيات، خصوصًا في حالتها وهي الواقعة تحت عنف لا ينقطع “طول عمري عايشة ببيتي ما حدا بيعرف عن عيلتي إشي، بالحرب ضربني بالخيمة والجيران سمعوا، اجوا يحكولي ليش هيك عمل فيكي! كنت أخجل أطلع قدامهم وأحس إني أقل قيمة منهم. أولاد عمتي عمري ما شفتهم ولا بعرفهم، بالحرب عرفوني وأنا بأنضرب وبتبهدل من جوزي”.
أما عن والدة وإخوة زوجها، فقد كان يكتمل قهر تهاني بأفعالهم حيث يُمعنوا في إذلالها “مرة حردت لأنه سلفي وسلفتي صاروا يحكوا كلام جارح ويتهموني بشرفي. صحباتي التنتين ما إلي غيرهم إجوا عندي، صارت حماتي تحكي جايبينلك واحد يا إم الزلام، بطلت أخلي صحباتي يجوا عندي!”. وتذكر أحداث المشكلة الأخيرة “سلفي إجى يتهجم عليا ويخلع باب الدار وجوزي مش عندي وصار يقولي انتي بتستحيش، لما حكيت لجوزي اللي صار، حماتي ضربتني وباعت ملابسي كلهم وحكتلي والله لأطلعك عريانة، قلتلها ربنا بيسترني!”، وتكمل في السرد “إجت تمد إيدها عليا وترفع عني ملابس الصلاة، ابني الصغير حاول يبعدها عني فضربته وقلبت القصة عليا وبتقول إني ضربتها. صرت أرد عليها فجوزي ضربني، كسر شاشة اللابتوب عليا، شعري كله تنتف ولسه ما بعرف أنام على أي طرف من كتر الورم براسي محل ضربه”، وتكمل بمرارة “تركته وكنت بدي أطلع على الغرفة كب كاسة الشاي السخنة عليّا وضل يضربني، بعدها ما دريت على حالي شو صار كأني فقدت الوعي، تبولت لا إراديًا وبرضو ضل مكمل!”.
بعد هذه الحادثة قررت تهاني أنه لا رجعة منها وقررت اللجوء إلى أهلها بعد عودتهم من جنوب القطاع “حسيت إني وصلت لآخري لأني ما هنت عليه، كنّا وقتها بالليل وخفت أطلع من القصف، الصبح رحت لأهلي. كان مسكر باب الغرفة حتى ما أخذ أغراضي”.
لم يخفف لجوئها إلى عائلتها من معاناتها بالقدر الذي تأمل، فصارت تواجه ضغوطًا من كل جانب، تقول “إمي عملالي ضغط نفسي، بتحكيلي مش كل يوم بدنا نعملك جوز، وأبويا لو حد بيعزه ضغط عليه بيحكيلي إرجعي”، وتضيف “أهلي ما بيسمحوا أشوف أولادي، بيقولوا هيهم بخير وعايشين عند أبوهم فش داعي لخوفك عليهم. لما طلعت من عند جوزي أخذت ابني الصغير معي، مرض يومين أهلي ما تحملوه، ولو تطلقت أبويا مش هيسمحلي بحضانة أولادي”.
في داخلها، كانت تهاني في صراع بين الحنين لأبنائها والشفقة على حالهم من بعدها، خصوصًا ابنتها التي تحملت مسؤولية تفوق عمرها، وبين كرامتها التي أهدرها زوجها عن قصد “كنت دائمًا أتحمل وأقول لولادي: عشان خاطركم يما! مش هاينين عليّا ومكوي قلبي عليهم بس أنا تعبت. أوقات بحن وبقول بدي أرجع بس كرامتي!”.
تريد تهاني الآن الطلاق مع علمها أنها ستكون الطلقة الثالثة في حال حدوثها، وهذا ما كان يهددها زوجها به باستمرار، لكنها مع ذلك تصر على الطلاق “هالمرة يئست، تراكم كل إشي على كتافي”. ولا تريد شيئًا سوى الخلاص، تقول بحسم “بدي أتطلق وبديش حقوقي منه عشان خاطر أولادي”. تتخلى تهاني عن حقوقها لتختار النجاة بروحها التي أنهكتها سنوات العنف والقهر وقد زاد العدوان عليها الويل ويلات.