رولا طفلة لا زالت في سن المراهقة، ومع كونها الابنة الكبرى فقد تحملت عبئًا يفوق عمرها، حيث اهتمت بتربية إخوتها والقيام على شؤونهم بسبب انفصال والديها، الأم مسافرة والأب غائب عن حياة أبنائه، تصف رولا نمط حياتهم “أبويا كان من الجمعة للجمعة لما نشوفه، كان راكن عليا بكلشي. أنا اللي بدرس إخوتي وبلبسهم وبنضفهم ومحافظة عليهم”، لكن حتى هذا الروتين القاسي صار ترفًا بعد اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
“قبل العدوان مكنتش زي هيك، مكنش العنف هادا” بهذه الكلمات تبدأ رولا قصتها.
مع مرور كل يوم، كانت تزداد الخلافات بينها ووالدها، لكن ما أشعل الأمور هو رفضها لما تقوم به أختها من سرقة، تقول “المشاكل كلها بدت بسبب أختي، لأنها بتمد ايدها وبتسرق. بالأول كانت تجيبلي أغراض وأحبهم منها، تعطيني عشان أسكت. بس لما فكرت فيها، حكيت لأبويا، متوقعتش إنه يصير هو اللي ياخدها ويكيف معها، بدل ما ينصحها! صار يشوفني عمى وبده إياني أصير زيها”، وأمام رفضها لفكرة السرقة جملةً وتفصيلًا، ومحاولاتها لصدهم عنها، كانت تزداد وتيرة العنف، كما تروي “صار قصف بالمدرسة، سرق أغراض من ناس بوقتها. بعدها صارت مشكلة وموتني من الضرب فهددته إني هحكي على سرقته، وحكيت للناس اللي سرق منهم وشكوه للشرطة وأخدوه. بعد ما طلع صار كل يوم يضربني”.
عاشت رولا بين إهانة وتجريح وضرب بأعنف الوسائل وأخطرها “بيغلط قدام الناس، بيضربني بالشارع. مرات يطردني برا بنصاص الليالي، أروح لعمي بمدينة تانية وأمشي مسافة طويلة” وتضيف “بيضربني بالكراسي، يفتح راسي بالشوبك، بالماسورة، مرة جرحلي ودني وتغرزت”. وصل سوء المعاملة إلى حرمانها من الطعام “بيطعمونيش معهم، كنت أدبر حالي من التكية أو أعمل حالي رايحة زيارة عند عمتي وعمي وأقعد معهم على الغدا، لأني مقدرتش على الجوع!”
صار شغل والدها الشاغل هو محاولة تزويجها للتخلص من الخلافات المستمرة بينهما، حتى أنه حاول تزويجها بمن يفوق عمرها أضعافًا، تقول “كان بده يجوزني لواحد كبير كتير، الزلمة كان يكذب عليا ويحكيلي هحل خلافك مع أبوكي، ويصير يمسكني، كنت أخاف، وأبويا يجيبلي الجيران يقنعوني: تجوزي وارتاحي”، ولم يقف عند هذا الحد، فكلما رفضت رولا، اختلق طرقًا جديدة يحقق بها غايته، كأن لا يترك عرسًا إلا ويتسبب بمشكلة معها، ليدّعي أن سبب المشكلة هو رغبة ابنته بالزواج، وهو ما ترويه بقولها “ما اجى علينا يوم عرس إلا وانضربت فيه والناس تلتم على صوتي. بالعامد ينكشني فأنفعل ويضربني وتتحول لقصة كبيرة، ويحكي للناس البنت بدها عريس وبتعمل مشاكل عشان غيرانة وبدها تتجوز”. تعلق رولا على فعله “أنا مش حاطة براسي الموضوع، لسه طفلة ايش يفهمني بقصص الزواج! أنا كنت أحب التعليم، ولو رجعت المدراس بدي أكمل دراسة”.
رولا تريد السفر عند والدتها ولا سبيل لذلك، حتى أنها مُنعت من مكالمة والدتها “أنا متعلقة بأمي، كل ما بدي أكلمها بيرضاش، ولما أكلمها وتصير مشكلة يقول أمها عبتها علينا. صرت بكلمها بالسر!”
ومع طول أمد العدوان اشتد سوء الحال على رولا بما لا تطيقه، إلى أن وصلت الأمور للحرق، من قبل الشخص الذي يُفترض به أن يكون أمانها “كان ضاربني، تعبت من الضرب ونمت، صحيت لقيتهم عاملين أكل وبيسخنوا الحليب. حكيتله يحطلي صحن أكل، مرضيش، صرت أزن بدي أكل فمسك الماسورة وصار يخوفني فيها، صرت أصرخ من الخوف لأنه ضربني فيها كتير من قبل. وأنا بصرخ مسك غلاية الحليب ودارها عليا” وأمام هذا المشهد الذي لا يحتمله عقل، تجمع الجيران على صوت صراخ رولا وتألمها، فكان ادّعاء والدها حاضرًا “صار يحكيلهم عني مريضة نفسية، بتصرخ هبل”.
بعد هذه الحادثة، أفصحت رولا للطبيبة أثناء تلقيها العلاج من الحروق عما جرى لها وما تتعرض له من عنف، وتم تبليغ الجهات المختصة وبناءً على ذلك قام مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة بالتدخل لإيقاف سيل العنف المنهمر على جسد رولا، وهو ما تحقق بنسبة كبيرة كما تقول “بعد عني. بطل يتدخل فيا. والضرب خف، بيخوفني بالماسورة بس بيضربنيش فيها. بس حتى بعد ما حلينا المشاكل وخفت، بعاني من نقص كبير بالأكل”.
تعيش رولا مع معنِّفها في نفس المكان ولا خيار آخر لديها، الشخص الذي لم تستطع وصفه بأكثر من كلمة “بكرهه”. حتى إخوتها تخلوا عنها، وصارت تشعر أنها وحيدة وهي بين عائلتها “إخوتي كان بس ناقصهم يحكولي يا ماما، كنت الحنان الهم طول عمرهم بس بطلوا يحترموني لأنه فش مني فايدة، بيحبوا أختي اللي بتسرق عشان بتغريهم وبتجبلهم كلشي. فش حد بضهري، الكل ضدي!”
كل ما تتمناه رولا اليوم هو البعد عنهم والسفر عند والدتها، لضمان سلامتها النفسية والجسدية “الاشي الوحيد اللي بدي إياه إني أبعد عنهم”. وبينما ترى أن هذا هو الحل الجذري والوحيد، يحرمها العدوان الإسرائيلي منه بسبب استمرار إغلاق المعابر، لتبقى ضحية عنف بدأ في العدوان، ولا تعرف متى ينتهي.